غزة رمز للعزة (21) إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية (3-3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما تعرضت له أيضًا دعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل: بيان ما تعرضت له البنية التحتية في قطاع غزة بأكمله من تدمير غير مسبوق من خلال العدوان الغاشم، واستخدام القوة المفرطة الذي قامت به قوات الاحتلال الإسرائيلية ضد المدنيين وضد أهداف مدنية في قطاع غزة في أعقاب عملية طوفان الأقصى.
حيث جاء في الدعوى: أنه في 16 نوفمبر 2023 حذَّر 15 من المقررين الخاصين للأمم المتحدة و21 عضوًا من مجموعات العمل التابعة للأمم المتحدة من إبادة جماعية قيد التنفيذ في غزة، مشيرين إلى أن مستوى الدمار الذي حدث (حتى ذلك الوقت) من الوحدات السكنية، وكذلك المستشفيات، والمدارس والجامعات، والشركات، ودور العبادة، والمقابر، والمخابز، وأنابيب المياه وشبكات الصرف الصحي، وشبكات الكهرباء، والمؤسسات الثقافية والترفيهية، إلى جانب مواصلة الهجمات المتواصلة على المنظومة الطبية الفلسطيني ونظام الرعاية الصحية، حيث لم تتبقَّ أي مستشفى تعمل بكامل طاقتها بما يهدد باستحالة استمرار الحياة في غزة.
لقد استخدمت إسرائيل في قصفها ضد غزة أسلحة ذات تأثيرية غير تمييزية، مما أدى إلى حصيلة قتلى هائلة وتدمير للبنية التحتية الحيوية في قطاع غزة، لم تدمر إسرائيل المنازل والبيوت والأبنية السكنية فقط بل دمرت شوارع وأحياء بأكملها؛ فضاحية (شجاعية) في مدينة غزة، التي كانت موطنًا لحوالي 110 ألف فلسطيني تبدو الآن كأرض قاحلة واسعة ممتدة بقدر ما تستطيع العين أن ترى، تم تدمير متاجرها ومدارسها وسوقها النابض بالحياة ومنازل العائلات وعيادات الأطباء وشوارعها التاريخية، ومسجد ابن عثمان وكل شيء كان يحافظ على الحياة الفلسطينية هناك.
بالإضافة إلى العديد من مناطق أخرى في غزة قد شهدت مستوى مماثل من الدمار، بما في ذلك بيت حانون وبيت لاهيا ومدينة غزة القديمة والرمال ومخيم (نصيرات) للاجئين في الجنوب، فلم يعد هناك مكان فارغ للأشخاص يتخذوه مأوى حتى في الشوارع والمناطق المفتوحة الأخرى.
إن عدم اتخاذ التدابير الاحترازية لحماية المدنيين في الهجمات العسكرية الإسرائيلية، وعدم التوفيق والتوازن بين اختيار الأساليب والوسائل التي يستخدمها جيش الاحتلال وبين الالتزام بالحرص الواجب على حماية المدنيين والأعيان المدنية، أو على الأقل التقليل من الخسائر العرضية في أرواح المدنيين والأضرار التي تلحق بالأعيان المدنية في مناطق مكتظة بالسكان تشير إلى أن التدمير واسع النطاق هناك ربما تم اعتماده كتكتيك للحرب ضد الفلسطينيين في غزة، وأن قوات الاحتلال تتعمد اتباع سياسة عسكرية تم الاتفاق عليها رغم كونها تنتهك قوانين الحرب.
إن جيش الاحتلال نفذ -وينفذ- عمليات تدمير لِمَ ولا تقتضيها الضرورة العسكرية؛ لقد ألحقت إسرائيل الدمار والضرر خلال أول ثلاثة أشهر من العدوان بما يزيد عن 355 ألف منزل فلسطيني، وحولت -ولا تزال- قطاع غزة إلى أنقاض ومناطق منكوبة، تقتل وتدمر وتخلق ظروف تهدف إلى تصفية شعبها جسديا كمجموعة.
في جميع أنحاء قطاع غزة استهدفت إسرائيل البنية التحتية، وأسس الحياة الفلسطينية مخلفة وراءها عمدًا ظروف حياة محسوبة لإحداث الدمار الجسدي للشعب الفلسطيني، تم تدمير المستشفيات وأنظمة المياه والأراضي الزراعية والمخابز والمطاحن، لقد استهدفت إسرائيل أيضًا النظام المدني الأساسي في غزة، استهدفت قصر العدالة، المبنى الرئيسي للمحاكم الفلسطينية في غزة، الذي يضم المحكمة العليا الفلسطينية والمحكمة الدستورية ومحكمة الاستئناف ومحكمة البداية والمحكمة الإدارية ومحكمة الصلح؛ بالإضافة إلى أرشيف سجلات المحاكم وملفات تاريخية أخرى.
كما ألحقت أضرارًا كبيرة بمجمع المجلس التشريعي الفلسطيني، ومبنى الأرشيف المركزي في مدينة غزة، الذي يحتوي على آلاف الوثائق التاريخية والسجلات الوطنية التي تعود لأكثر من 100 عام، والتي تشكل أرشيفًا أساسيًّا للتاريخ الفلسطيني؛ بالإضافة إلى السجلات الحديثة للتطور الحضري لمدينة غزة، كذلك دمرت إسرائيل الذاكرة الرسمية والسجلات للفلسطينيين في غزة من خلال تدمير الأرشيفات والمعالم في غزة، لمحو الحياة الشخصية والذكريات الخاصة بالتاريخ والمستقبل الفلسطيني من خلال التدمير المتعمد المحسوب للسجلات العائلية والصور الفوتوغرافية، بالإضافة إلى إبادة عائلات فلسطينية متعددة الأجيال بأكملها، إلى جانب قتل وتشويه وترويع جيل كامل من الأطفال؛ جاء في فيديو نشرته (الأونروا) قول أحد الفلسطينيين: (هذه كلها ذكرياتنا، حياتنا بـأكملها... الآن ذهب كل شيء، كل شيء تحول إلى رماد).
لقد تركت إسرائيل المكتبة العامة الرئيسية في مدينة غزة في حالة خراب، كما ألحقت الضرر والدمار لعدد لا يحصى من المكتبات ودور النشر، ومئات المرافق التعليمية؛ كما استهدفت جميع جامعات غزة الأربع، بما في ذلك الجامعة الإسلامية في غزة، وهي أقدم مؤسسة للتعليم العالي في قطاع غزة، والتي خرجت أجيالا من الأطباء والمهندسين، لقد دمرت الحرم الجامعي لتعليم الأجيال القادمة من الفلسطينيين في غزة، كما قتلت إسرائيل الكثير من الأكاديميين الفلسطينيين البارزين، منهم: البروفيسور (سفيان طه) رئيس الجامعة الإسلامية، وهو فيزيائي معروف حائز على جوائز وكرسي اليونسكو لعلم الفلك والفيزياء الفلكية، وعلوم الفضاء في فلسطين، الذي قتل مع أفراد عائلته في ضربة جوية، والدكتور (أحمد حمدي أبو عبسة)، عميد قسم هندسة البرمجيات في جامعة فلسطين، الذي قتل بالرصاص على يد جنود إسرائيليين، وهو يبتعد بعد أن تم إطلاق سراحه بعد ثلاثة أيام من اختفاءه القسري، ومنهم: البروفيسور (محمد عيد شبير) أستاذ علم المناعة والفيروسات، ورئيس سابق للجامعة الإسلامية في غزة، والبروفيسور(رفعت العرير)، وهو أستاذ الأدب المقارن والكتابة الإبداعية في الجامعة الإسلامية في غزة، قتل كلاهما من قبل إسرائيل مع أفراد من عائلاتهما، وقد كان البروفيسور العرير أحد الشعراء المعدودين، وهو من المؤسسين المشاركين للمشروع الشبابي الفلسطيني (نحن لسنا أرقاما).
