شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حوار الشيخ ياسر برهامي مع موقع لواء الشريعة

صوت السلف • حوارات

أما الشعارات المطروحة فلا أراها تمثل حقيقة المشكلة، فما أسهل رفع الشعارات! وما أصعب تحقيقها في الواقع فهماً ثم عملاًَ!، والذي أراه أن يرفع الإسلاميون شعار: "الإسلام هو الحق"؛ لأن الناس في حاجة إلى الالتزام به سواء حل مشاكلهم الدنيوية أم لم يحلها، سواء جلب لهم الرخاء أو الفقر، فقد يقع للناس ابتلاء من الله رغم التزامهم بالإسلام، فهل سيتركون الدين والالتزام به لأنهم لم يجدوا حلاً لمشاكلهم؟!

فالناس تظن أنها بمجرد رفعها لشعار: "الإسلام هو الحل" سوف تحل كل مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهذا وهم كبير وخطر كبير كذلك. ثم ما هو الفهم المقصود للإسلام الذي يطرح على أنه الحل؟ أ هو الإسلام الذي يقبل العلمانية ولا يراها تعارضه كما يقول الأتراك، أم ذاك الديمقراطي المتحرر كما يقول بعضهم؟ وإنما يكفي عند الكثيرين أن نضيف كلمة "إسلامي" لكل صور الحياة مع بقائها على ما هي عليه في الحقيقة. فلابد من تحرير معالم واضحة لهذا الفهم مأخوذة من الكتاب والسنة الصحيحة، في العقيدة والعمل والسلوك، وقضايا الأمة كلها.

أما شعار: "الجهاد هو الحل"، فإننا لابد أن ندرك أن ذروة السنام لا يمكن أن ترتفع إلا على قوائم، فلو أهملنا القوائم التي لم ترتفع بعد، ثم طالبنا الأمة بما هي عاجزة عنه لعدم ارتفاع القوائم، وقلنا لها: فرض عين على كل مكلف أن يقاتل الكفار في عقر دارهم، أو حتى أن يدفعهم عن بلاده وهو عاجز، كلفناه بما لا طاقة له به، فإذا استشعر أنه لابد أن يقوم بشيء من هذا الواجب العيني، قام فنطح رأسه في الصخور، فأدمى نفسه ولم يكسر الصخرة. مع أننا نقر أن الجهاد في بلاد المسلمين المحتلة فرض على كل قادر وفرض على القادرين أن يتعاونوا على إقامته لدفع عدو المسلمين، لكنهم لا يتمكنون من ذلك من غير إقامة القوائم من الإسلام والإيمان والإحسان.

ولا تعني المرونة المطلوبة التنازل عن الثوابت والنصوص، وتمرير المشروعات العلمانية والبدعية والانحرافات إلى داخل العمل الإسلامي

ما مدى تفاؤلكم بمرونة الحركة الإسلامية مع الأنظمة السياسية الحالية؟ وهل تستطيع الحركة بعد صدامات قضت على مشروع بعض فصائلها، وصدامات أخرى تضغط لتقضي على مشاريع قائمة بالفعل، هل تستطيع الحركة الإسلامية رغم هذا أن توازن بين ما هو مفروض وما هو ممكن؟

لابد لأبناء الحركات الإسلامية أن يستوعبوا الدروس التي دفعوا لها ثمناً غالياً من دماء أبنائها وحرماتهم وحرياتهم، بل ومن دعوتهم نفسها، فالله -تعالى- لم يكلفنا إلا ما نقدر عليه (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) (البقرة:286) ، والمعجوز عنه يصبح مقدوراً عليه بعد حين، إذا صدقنا في أدائنا لما نقدر عليه. والصدام غير محسوب العاقبة الذي يترتب عليه سفك الدماء المعصومة وانتهاك الحرمات، ولا يترتب عليه تغيير للواقع ولا إصلاح، بل إفساد، هو من سبيل الغواية لا سبيل الهداية.

ولابد كذلك في المصادمة السياسية -لمن سلك هذا الطريق- من نفس الموازين في المصالح والمفاسد، ولن يجدوا الأبواب مفتوحة لهم لمجرد أنهم لم يرفعوا السلاح، لا بل لابد من مراعاة موازين القوى محلياً ودولياً قبل المشاركة أو المصادمة، حتى لا ندفع الثمن من ديننا أو دعوتنا أو مبادئنا -التي هي من نصوص الكتاب والسنة- في أمر لا يلزمنا ولا يتحقق منه كبير فائدة.

ولا تعني المرونة المطلوبة التنازل عن الثوابت والنصوص، وتمرير المشروعات العلمانية والبدعية والانحرافات إلى داخل العمل الإسلامي كما مررها الاستعمار إلى داخل المجتمعات المسلمة، فلابد من الثبات على المنهج الحق أما الوسائل فهي قابلة للأخذ والرد، والفعل والترك.

تعددت نوازل الأمة ومآسيها من الشيشان إلى أفغانستان ثم السودان والعراق والصومال، وقائمة لا تكاد تنتهي، وكلما تراجعت نازلة أفسحت المجال لأخرى... فهل تراجع مشروع تحكيم الشريعة كعنوان رئيسي على أجندة الحركة الإسلامية لصالح صد العدوان عن بلاد المسلمين؟

تحكيم الشريعة جزء من صد العدوان على بلاد المسلمين، لا يتصور أن يتراجع أحدهما لصالح الآخر، فإنهم لو تنازلوا عنه لأفسح العدو لهم المجال أن يكونوا هم المنفذين لخططه، لكن المشكلة أن كثيراً من الحركات الإسلامية تراجع عندها هذا الهدف تحت ضغط الظروف والمحن والبلاء الذي تمر به هذه الحركات، وهذا خطر عظيم بلا شك. فلا يلزمنا ما لا نقدر عليه من حدود أو حقوق، لكن اللازم علينا أن ننقل الحق إلى الأجيال القادمة ناصعاً كما جاءنا ووصلنا، رغم شدة وشراسة الهجمات السابقة، لكن وصل إلينا صوت الحق. أفبعد أن وصل إلينا صوت الحق ناصعا نلبّسه نحن على من بعدنا؟!

لا يجوز لنا ذلك، وإذا تمكنت طائفة من المسلمين من صد العدوان على جزء من بلادنا، وجب عليها إقامة الحق فيه وليس تأجيله، وتجربة طالبان ثم المحاكم الإسلامية في الصومال تجربة صادقة في هذا المجال، حتى ولو كانت النتائج الحالية غير سارة، فلم تأتنا الهزيمة بسبب إقامة الشرع، وإنما من عند أنفسنا أُتيِنا (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165) ، (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (الشورى:30) ، فبسبب خلل في صفوف هذه الحركات حصل تسلط الأعداء حتى يتم التمحيص، والله المستعان.

تتهمكم بعض الكتابات بالتقصير في خوض غمار العمل السياسي، وأنكم تعدونه رجساً من عمل الشيطان!! وأن السلفية سماؤها سقف المسجد، وفضاؤها جدرانه فقط، كيف تردون على هذه الاتهامات التي توجه إليكم؟ وهل حقاً أن السلفية منشغلة عن المعترك السياسي الإسلامي بالقلم والمحبرة؟ ولا زالت كما يقول البعض: تفترش النص وتلتحف بالأوراق؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية