شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حوار الشيخ ياسر برهامي مع موقع لواء الشريعة

صوت السلف • حوارات

العمل السياسي في حسنا جزء من ديننا، لأنه يشمل كل نواحي الحياة (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163) ، ولكن أي عمل سياسي، وبأي موازين نشارك، إذا كانت موازين القوى العالمية والمحلية تفرض علينا حتى نشارك في عملهم السياسي ولُعبتهم السياسية أن نقبل معطياتهم التي تتناقض مع عقيدتنا ونصوص كتاب ربنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-.

هم لابد عندهم من الحرية والمساواة والديمقراطية، ونحن لابد عندنا من عبودية لله -عز وجل- لا نرى بها حقاً لأحد من الخلق أن يتحرر من الرجوع إلى الوحي، لا في عقيدته، ولا في عمله، ولا في سلوكه. ألا ترى إصرارهم في الغرب على الوقوف مع الدانمرك رغم الخسائر الاقتصادية وغيرها من أجل مبدأ الحرية عندهم؟ فقد قبله على ما هو عليه بعض المشاركين الإسلاميين حتى أهوى قلماً لكاتب معروف بالتطاول في قصته التي نال عليها جوائزهم على ذات الرب ثم على الأنبياء واحداً واحداً؛ ليروج بها لفكرة موت الإله ومولد "السوبرمان" وانتهاء الحاجة إلى الدين، ويقول كذلك: إنه لم يزل الشعراء والكتاب الإباحيين والزنادقة لهم مكانهم عبر السيرة الإسلامية فنحن -على كلامه- لن نمنع ذلك. هل يرى أحد من الصادقين جواز دفع هذا الثمن من أجل السماح بالمشاركة مع أنها لم تثمر شيئاً؟!

هم يريدون منا أن نقبل أن المرجعية في التشريع للناس لا لله!! وينصون على ذلك فيقولون: "لو أن الشعب قـَبـِل إلغاء مادة الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع هل تقبلون"؟! هناك من قبل ليشارك. هذه ديمقراطيتهم.

هم يريدون أن يساوي المسلم الكافر في الدنيا والآخرة، ونحن لا نقبل إلا ما دل عليه قول الله: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (القلم:35-36) ، بل هم يريدون حذف كلمة الكفر والنفاق من قواميس الاستعمال، وتحل محلها كلمة "الآخر"؛ ليتسع المقام للاحترام والتبجيل والحب والود، والتناصر والتعاون، وسائر صور الموالاة مع الخلاف الذي لا يفسد للود قضية، وقد قـَبـِل الكثيرون ذلك!

فهل نضحي بكلام ربنا من أجل مشاركة لتجميل الصورة، أو لنهرب من ذم الاتهامات التهكمية التي ذكرت؟! نحن نقول: إن وضع أسس البناء في المراحل الأولى هو الواجب وليس الانشغال بلون "السيراميك" وطاقم الحمام في الدور التاسع عشر.

إن طريق التمكين إنما يبدأ بتحقيق العبودية في البيت والأسرة والمسجد والعمل. وإن الاهتمام بالعلم هو أول خطوة في طريق التمكين؛ فالعلم قبل العمل (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (محمد:19) ، ولا يتنافى الاهتمام بالعلم وطلبه مع ما نقرره من أن السياسة من الدين، ولكن العبرة هنا هي أي سياسة المقصودة كما بينا قبل ذلك.

لماذا فضلتم المنهج السلفي، رغم أن الانتماء للإخوان ضارب بجذوره في عائلتكم الكريمة؟!

انتماء الوالد -رحمه الله-، والعم -حفظه الله- للإخوان لم يكن عن تعصب؛ إنما كان لأنها كانت الجماعة الوحيدة على الساحة التي تلبي احتياجات الشباب، وتعايش واقعه وتغيره -إلى حد ما-، ثم إن الحال في زمانهم كان غير الحال فلم أتشرب -بحمد الله- عصبية جاهلية منهما، بل حب الحق والانتصار له، وكان الوالد -رحمه الله- يقبل كل ما نقول له بالدليل، ولا أعلمه مات إلا على عقيدة السلف -رحمه الله-، ولا يزال عمي -حفظه الله- إذا وقع له أمر يحتاج فيه إلى سؤال أو مشورة يقبل ما نقوله له بالدليل، فالمنهج السلفي منهج الكتاب والسنة، وعدم التقليد والتعصب الأعمى مع حب الدين والانتصار له والعمل به ومن أجله، ولا أظن أحداً يخالف في ذلك من جهة المبدأ -فالحمد لله-.

وأما لماذا اخترت المنهج السلفي؟ فالحقيقة أني نشأت في ظروف يـُحارب فيها الدين جملة، وتنشر الاشتراكية والقومية العربية مع الهزائم المتلاحقة والنكسات والنكبات على الأمة التي من أعظمها سقوط القدس في يد اليهود ودخولهم إلى المسجد الأقصى، فكان رد الفعل الدفاعي لكل من يحب الإسلام العودة إلى هذا الدين بمصادره الصافية، ولم يكن ثم مناهج مختلفة، فكان البحث عن الكتاب والسنة، فكان أول كتاب وجدته في مكتبة المنزل رياض الصالحين، ثم فقه السنة، ثم زاد المعاد، -وبحمد الله- هي كتب تستمد جذورها من الكتاب والسنة مباشرة، ثم لما تعددت المناهج واختلفت كان ظاهراً بجلاء أن المنهج الذي يعظم الكتاب والسنة ويستمد منه العقيدة والعمل والسلوك هو المنهج السلفي.

ثم كانت لكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية التي كنت أحرص على قراءتها، وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله- كذلك، أكبر الأثر في تعميق حبي لهذا المنهج؛ لأنه يعظم الدليل ويبني عليه كل مواقفه، ويتخلص من الخرافات وأنواع الغلو، ثم هو منهج شامل يعالج كل القضايا الواقعية من نفس منطلق المرجعية للكتاب والسنة. فقضايا الحكم بالشريعة والولاء والبراء، بالإضافة إلى نبذ عبادة القبور والغلو في أصحابها كلها موضحة في هذا المنهج بالأدلة الواضحة.

ثم كانت لكتابات ابن القيم -رحمه الله- في التهذيب والسلوك جاذبيتها الخاصة التي لا أظن أحداً من أبناء الصحوة الإسلامية المعاصرة يستطيع مقاومتها، أو ينكر أثرها عليه وعلى غيره، مع كون هذا المنهج ينبذ التقليد حتى لهؤلاء الأئمة الكبار، بل يربي أتباعه على قبول الحق من كل من قال به، ونبذ العصبية وجمع القلوب والهمم على نصرة الدين والتعاون على البر والتقوى.

فلا يلزمنا ما لا نقدر عليه من حدود أو حقوق، لكن اللازم علينا أن ننقل الحق إلى الأجيال القادمة ناصعاً كما جاءنا ووصلنا

كيف ترون مستقبل التصالح بين السلفية بما تمثله من تيارات، وبين فصائل دعوية أخرى عاملة على الساحة الإسلامية تخالفكم في بعض النقاط؟ هل هناك إمكانية لالتقاء فصائل العمل الإسلامي المختلفة على منهج عمل وثوابت واحدة تقلل الخلافات وتدعم العلاقات الإسلامية بينها؟ أم أنه حلم بعيد المنال كحلم الغراب بالريش الأبيض؟!!

الصفحة السابقة الصفحة التالية