غزة رمز للعزة (23) إنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "أي: يا من يريد العزة اطلبها ممن هي في يده، فإن العزة بيد الله، ولا تنال إلا بطاعته. وقد ذكرها بقوله: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ )، من قراءة وتسبيح وتحميد وتهليل، وكل كلام حسن طيب، فيرفع إلى الله ويعرض عليه، ويثني الله على صاحبه في الملأ الأعلى. ( وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ )، من أعمال القلوب وأعمال الجوارح، يرفعه الله -تعالى- إليه أيضًا كالكلم الطيب. وأما السيئات فإنها بالعكس؛ يريد صاحبها الرفعة بها، ويمكر ويكيد، ويعود ذلك عليه، ولا يزداد إلا هوانًا ونزولًا، ولهذا قال: ( وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) يهانون فيه غاية الإهانة. ( وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) أي: يهلك ويضمحل، ولا يفيدهم شيئًا، لأنه مكر بالباطل لأجل الباطل" (تفسير السعدي) .
وقال الله -تعالى-: ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ . لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (المنافقون: 7، 8) .
وقد نزلت هاتان الآيتان أثناء رجوع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من غزوة تبوك، حيث قال عبد الله بن أبي رأس المنافقين بالمدينة هذه المقالة الشنيعة؛ فردَّ الله -تعالى- عليه قوله، وبيَّن أن العزة الحقيقية الدائمة كلها إنما هي لله -تعالى-، ومنه يستمد المؤمنون الملتزمون بشرعه وأحكامه عزتهم.
من كمال العزة تجنب الوهن والاستكانة:
من كمال عزة المؤمن أنه لا يقبل الوهن والضعف والاستكانة، بل يستعين بالله -تعالى- دائمًا ولا يعجز، ويتوكل على الله -تعالى- ولا ييأس، ويصبر على الصعب ولا يجزع، ولا يقصر في طلب ما يجب عليه، وهو يعلم أن الله -تعالى- بفضله وكرمه يجبر عجزه إن وجد، ولكن لا يجبر له تقصيره إن وقع فيه، فلله الأمر من قبل ومن بعد، وهو المستعان وعليه التكلان؛ قال الله -تعالى-: ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (آل عمران: 139) .
وقال الله -تعالى-: ( وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) (النساء: 104) .
قال ابن كثير: "وقوله -تعالى-: ( وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ )، أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جدوا فيهم وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد. ( إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ )، أي: كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم، كما قال -تعالى-: ( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ). ثم قال -تعالى-: ( وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ )، أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو وعد حق وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئًا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة فيه، وفي إقامة كلمة الله وإعلائها. ( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) أي: هو أعلم وأحكم فيما يقره ويقضيه وينفذه ويمضيه من أحكامه الكونية والشرعية، وهو المحمود على كل حال" (تفسير ابن كثير) .
وقال الله -تعالى-: ( فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) (محمد: 35) . قال ابن كثير: ( فَلَا تَهِنُوا ) أي: لا تضعفوا عن الأعداء ( وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ )؛ أي: المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعدتكم؛ ولهذا قال: ( فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ )، أي: في حال علوكم على عدوكم؛ فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين ورأى الإمام في المهادنة والمعاهدة مصلحة؛ فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين صدَّه كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك.
وقوله جلت عظمته ( وَاللَّهُ مَعَكُمْ ) فيه بشرى عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء، ( وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) أي: ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها، ولا ينقصكم منها شيئًا، والله أعلم" (تفسير ابن كثير) .
ووصف الله -تعالى- حال الأمم المؤمنة السابقة مع أنبيائهم في هذا الشأن فقال الله -تعالى-: ( وَكَمْ مِن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رَبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران: 146-148) .
