شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزة رمز للعزة (23) إنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

والمراد كم من نبي قاتل وقُتِل بين يديه جموع كثيرة من أتباعه من العلماء والصالحين، فما وهن من بقي منهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما ذلوا له، وما استكانوا، حتى إن قُتِل نبيهم أو قُتِل منهم الكثير، بل صبروا وثبتوا رغم ما أصابهم في الجهاد في سبيل الله -تعالى-، وتحملوا دفاعًا عن دينهم. بل كانوا على تمام العبودية لله -تعالى- باللجوء إليه والعمل في مرضاته، يخافون التقصير في جنب الله -تعالى-، وتتعلق قلوبهم به في النصرة والتثبيت: ( وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ )، فجمع الله -تعالى- بين خيري الدنيا والآخرة؛ قال الله -تعالى-: ( فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ).

موقف في السيرة النبوية تتجلى فيه معاني العزة:

رغم الهزيمة القاسية التي تعرَّض لها المسلمون يوم أُحُد على يد كفار قريش، فقد احتفظ المسلمون بكامل عزتهم، ولم يصبهم الضعف والوهن وهم في أصعب الظروف وأسوأها.

وقد نقل ابن القيم في (زاد المعاد) هذا الموقف الفريد للطائفة المؤمنة عقب انتهاء المعركة فقال: "ولما انقضت الحرب، أشرف أبو سفيان على الجبل فنادى: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه، ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم. فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذي ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك ما يسؤك. فقال: إن في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم قال: اعلُ هبل، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ألا تجيبوه؟ فقالوا: فما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل. ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم. قال: ألا تجيبوه؟ قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.

فأمر -أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- بجوابه عند افتخاره بآلهتهم وبشركه، تعظيمًا للتوحيد، وإعلامًا بعزة من يعبده المسلمون، وقوة جانبه، وأنه لا يغلب، ونحن حزبه وجنده. ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر بن الخطاب؟ بل روي أنه نهاهم عن إجابته، وقال: لا تجيبوه؛ لأن كلمهم (جرحهم) لم يكن برد بعد في طلب القوم ونار غيظهم متوقدة. فلما قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، حمي عمر بن الخطاب واشتد غضبه وقال: كذبت يا عدو الله، فكان في هذا الإعلام من الإذلال والشجاعة وعدم الجبن والتعرف إلى العدو في تلك الحال ما يؤذنهم بقوة القوم وبسالتهم، وأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، وأنه وقومه جديرون ألا يخافهم المسلمون، وقد أبقى الله لهم ما يسؤهم.

وأيضًا فإن في تركهم، وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة -بعد وهلة وظن قومه أنهم قد أصيبوا- من المصلحة وغيظ العدو وحزبه، والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدًا واحدًا، فكان سؤاله عنهم ونعيهم لقومه آخر سهام العدو وكيده، فصبر له النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى استوى في كيده، ثم انتدب له عمر فرد سهام كيده عليه، وكان ترك الجواب أولًا عليه أحسن، وذكره ثانيًا أحسن.

وأيضًا فإن في ترك إجابته حين سأل عنهم إهانة له وتصغيرًا لشأنه، فلما منته نفسه موتهم، وظن أنهم قد قتلوا، وحصل له من الكبر بذلك والأشر ما حصل، كان جوابه إهانة له وتحقيرًا، ولم يكن مخالفًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا تجيبوه، فإنه إنما نهى عن إجابته حين سأل: أفيكم محمد؟ أفيكم فلان؟ أفيكم فلان؟ ولم ينه عن إجابته حين قال: أما هؤلاء فقد قتلوا، وبكل حال فلا أحسن من ترك إجابته أولًا، ولا أحسن من إجابته ثانيًا. ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، فأجابه عمر فقال: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) (انظر: زاد المعاد) .

وروى الإمام أحمد: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اسْتَوُوا ‌حَتَّى ‌أُثْنِيَ ‌عَلَى ‌رَبِّي ) ‌فَصَارُوا ‌خَلْفَهُ ‌صُفُوفًا، فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ الْعَيْلَةِ، وَالأَمْنَ يَوْمَ الْحَرْبِ، اللَّهُمَّ عَائِذًا بِكَ مِنْ سُوءِ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَشَرِّ مَا مَنَعْتَ مِنَّا، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسَلَكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، إِلَهَ الْحَقِّ ) (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) . (انظر: الرحيق المختوم) .

الصفحة السابقة