غزة رمز للعزة (23) إنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالعزة: حالة مانعة للإنسان أن يُغلَب، من قولهم: أرض عزاز، أي: صلبة. والعزيز: الذي يَقْهَر ولا يُقهَر.
والعزة التي لله -تعالى- ولرسوله وللمؤمنين هي العزة الدائمة الباقية، هي العزة الحقيقية؛ قال الله -تعالى-: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) (فاطر: 10) ، أي: مَن كان يريد أن يعز يحتاج أن يكتسب من الله -تعالى- العزة، فإنها له.
وقال الله -تعالى-: ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران: 26) .
ويقال عزَّ عليَّ كذا: أي: صعب علي. وعزَّه كذا: غلبه. قال -تعالى-: ( وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ) (ص: 23) ، أي: غلبني. وقيل: صار أعز مني في المخاطبة والمخاصمة. وقال الله -تعالى-: ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) (فصلت: 41)، أي: يصعب مناله ووجود مثله.
أما العزة التي هي للكافرين؛ فهي بمعنى التعزز. قال الله -تعالى-: ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) (مريم: 81) ، أي: ليتمنعوا به من العذاب.
وقد تستعار العزة للحمية والأنفة المذمومة، كما في قوله -تعالى-: ( أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ) (البقرة: 206).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ) أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتقِ الله، وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق؛ امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم؛ أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام. ( فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) أي: هي كافيته عقوبة في ذلك" (تفسير ابن كثير) .
وقال الله -تعالى-: ( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ . بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) (ص: 1، 2) .
قال ابن كثير: "وقوله -تبارك وتعالى-: ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) أي: إن في هذا القرآن لذكرى لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر، وإنما لم ينتفع به الكافرون؛ لأنهم ( فِي عِزَّةٍ ) أي: استكبار عنه وحمية. ( وَشِقَاقٍ ) أي: مخالفة له ومعاندة ومفارقة" (تفسير ابن كثير) .
العزة جميعها لله وحده ولا تطلب إلا من جهته:
قال الله -عز وجل-: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) (الصافات: 180) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "ينزِّه -تبارك وتعالى- نفسه الكريمة ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون، -تعالى- وتنزَّه وتقدَّس عن قولهم علوًّا كبيرًا؛ ولهذا قال -تبارك وتعالى-: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ ) أي: ذي العزة التي لا ترام. ( عَمَّا يَصِفُونَ ) أي: عن قول هؤلاء المعتدين المفترين" (تفسير ابن كثير) .
وقال الله -تعالى-: ( بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا .الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) (النساء: 138، 139) .
قال ابن كثير في قوله -تعالى-: "( أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ ): ثم أخبر الله -تعالى- بأن العزة كلها له وحده لا شريك له، ولمن جعلها له، كما قال -تعالى- في الآية الأخرى: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا )، وقال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ). والمقصود من هذا: التهييج على طلب العزة من جناب الله والإقبال على عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين؛ الذين حصل لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" (تفسير ابن كثير) .
قال عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله-: "والحال أن العزة لله جميعًا؛ فإن نواصي العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم. وقد تكفل بنصر دينه وعباده المؤمنين، ولو تخلل ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين، وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستمرة، فإن العاقبة والاستقرار للمؤمنين. وفي هذه الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين وترك موالاة المؤمنين وأن ذلك من صفات المنافقين، وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم" (انظر: تيسير الكريم الرحمن) .
وقال الله -تعالى-: ( وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (يونس: 65) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول -تعالى- لرسوله: (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ) واستعن بالله عليهم وتوكل عليه فإن العزة لله جميعًا، أي: جميعها له ولرسوله وللمؤمنين. ( هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) أي: السميع لأقوال عباده، العليم بأحوالهم" (تفسير ابن كثير) .
قال الله -تعالى-: ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (فاطر: 10) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: مَن كان يحب أن يكون عزيزًا في الدنيا والآخرة، فيلزم طاعة الله -تعالى-، فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله -تعالى- مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعًا، كما قال -تعالى-: ( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا )، وقال -عز وجل-: ( وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا )، وقال جل جلاله: ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ). قال مجاهد: من كان يريد العزة بعبادة الأوثان، فإن العزة لله جميعًا. وقال قتادة: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا )؛ أي: فليتعزز بطاعة الله -عز وجل-" (تفسير ابن كثير) .
