غزة رمز للعزة (24) الحراك الطلابي العالمي لمناصرة شعب غزة.. مظاهره وآثاره
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد شهدت العشرات من الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية الكثير من المظاهرات الطلابية العارمة؛ احتجاجًا وتضامنًا مع شعب غزة في مواجهة جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي تعرض -ويتعرض- لها شعب قطاع غزة من شهور طويلة، في واحدة من المشاهد العجيبة؛ التي ما كانت لتحدث لولا صمود وصلابة المقاومة الفلسطينية وجَلَد وثبات، وصبر وتحمل شعب غزة الأبي!
وهو ما دفع الكثيرين في أمريكا ودول أوروبا الغربية إلى إعادة النظر من جديد في وجهة نظرهم نحو القضية الفلسطينية ككل، ومعاناة شعب غزة خاصة، ثم مخالفة ما عليه سياسات حكوماتهم من التأييد المطلق والدعم المفرط لجيش الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه الوحشي على شعب غزة، والذي أسفر عن عشرات الآلاف من الشهداء وعشرات آلاف أكثر من المصابين والمفقودين، مع تدمير البنية التحتية العمرانية والصحية والتعليمية والاقتصادية للقطاع، إلى جانب استخدام سلاح القتل البطيء من خلال الحصار الكامل لمنع الطعام والماء والوقود والكهرباء والدواء والمساعدات الطبية والإنسانية، في واحدة من أسوأ الجرائم الإنسانية في تاريخ البشرية الحديث، وهي الجرائم التي حركت وهزت مشاعر الشباب والطلاب في أمريكا وأوروبا الغربية الذين نشأوا وتربوا على مناصرة إسرائيل والتعاطف معها منذ نشأتها عبر عقود طويلة، في ظل هيمنة الصهيونية العالمية على الإعلام الغربي المرئي والمقروء والمسموع ، وما يروج له من مفاهيم خاطئة ومعلومات كاذبة عما يحدث داخل فلسطين المحتلة، وكذلك في ظل السياسات الاستعمارية والعنصرية لحكام وزعماء وساسة الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية، والتي تعد إسرائيل بفضلهم وبجهودهم النموذج الأبرز -وربما الوحيد- في العالم حاليا للاستعمار العسكري المباشر البغيض وللتفرقة العنصرية المجحفة؛ إذ إن كل من يدرس جيدا التاريخ الحديث للمنطقة العربية يدرك أن إسرائيل هي من صناعة الغرب، صنعها على عينه الاستعمار القديم (بريطانيا)، وتولى كبر دعمها وحمايتها واستمرارها من بعده الاستعمار الجديد (الولايات المتحدة)، لتكون إسرائيل دائما أداة لعدم الاستقرار في المنطقة العربية تستنزف طاقاتها وقدراتها، وتحول بينها و بين تقدمها وازدهاها وتحقيق وحدتها التي فيها قوتها وعزها.
البداية في الولايات المتحدة:
رغم أن الاحتجاجات على الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة ظهرت بعد العدوان الإسرائيلي على غزة في مناطق متعددة معتاد فيها القيام بالاحتجاجات في الولايات المتحدة سواء أمام البيت الأبيض أو الكونجرس الأمريكي أو مقر الأمم المتحدة في نيويورك، لكن على غير المتوقع اشتعلت المظاهرات الطلابية العارمة في الجامعات الأمريكية، والتي بدت أشبه بثورة طلابية لم تشهدها أمريكا من قبل في تاريخها الحديث؛ إذ إن حجم هذه المظاهرات الكبير لم يكن يتخيله أحد، وهي تعارض وتناهض سياسة الحكومة الأمريكية، في سابقة لم تشهد الجامعات الأمريكية مثلها من قبل ربما منذ الحرب في فيتنام، فكانت أشبه بالزلزال، فالطلبة الذين يدرسون مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي لجأوا إلى التعبير عن استنكارهم لما يحدث داخل غزة؛ فهناك إبادة جماعية، وهناك ازدواجية في المعايير.
لقد دفعت الانتهاكات الشنيعة وغير المسبوقة التي يتعرض لها شعب فلسطين الكثير من الأمريكيين إلى البحث وبشكل شخصي عن الحقيقة، والتعرف على المعلومات الصحيحة عما يحدث في الأراضي الفلسطينية، وعدم الاعتماد الكلي فقط على الإعلام الأمريكي الذي لا يقول الحقيقة كاملة.
ورغم أن الدستور الأمريكي يكفل للمواطنين حرية التعبير عن الرأي ويكفل حرية التظاهر السلمي بدون وجود أي مظاهر للعنف أو التحريض عليه فقد تعرضت تلك المظاهرات الطلابية داخل الجامعات الأمريكية للقمع وتعرض المشاركين فيها للاعتقال.
كانت الشرارة الأولى في جامعة كولومبيا، والتي توصف بأنها جامعة تضم طلاب أبناء النخب في الولايات المتحدة، والتي منها انتقلت المظاهرات إلى الجامعات الأمريكية الأخرى.
وقد قام رئيس مجلس النواب الأمريكي (مايك جونسون) بزيارة جامعة كولومبيا حيث هدد رئيسة الجامعة (نعمت شفيق) -وهي من أصول مصرية- بأنه إن لم يتم احتواء المظاهرات سريعًا فسيتم الدفع بقوات من الحرس الوطني إلى الجامعة، ويذكر أن قوات الحرس الوطني تلك قد تسببت من قبل في قتل طلاب عام 1970 خلال مظاهرات الاحتجاج على الحرب في فيتنام، وبدورها قامت رئيسة الجامعة باستدعاء الشرطة إلى داخل الجامعة لفض المظاهرات والسيطرة على الأوضاع.
جاء القمع للمظاهرات تارة بزعم وجود أشخاص أو نشطاء من خارج الجامعة يحرضون الطلبة على العنف، وتارة بأن هذه التظاهرات تجعل الطلبة اليهود هدفًا لها، خاصة وقد ندد (نتن ياهو) بتلك المظاهرات ودعا الحكومة الأمريكية إلى وقفها بزعم أنها معادية للسامية. وقد استخدمت قوات الأمن العنف والغاز المسيل للدموع لفض المتظاهرين؛ الأمر الذي زاد من حدة الاحتجاجات وانتقالها إلى جامعات أخرى. وقد تم اعتقال أكثر من مائة من الطلاب المعتصمين في جامعة كولومبيا من بينهم ابنة لإحدى النائبات الأمريكيات.
وفي جامعة جنوب كاليفورنيا ترتب على التظاهرات فيها الإعلان عن إلغاء حفل التخرج الذي كان مقرر ً ا عقده في 10 مايو 2024، وذلك عقب اعتقال أكثر من 90 متظاهرا داخل الجامعة، حيث أقام الطلاب المتظاهرون ما أسموه (مخيم فلسطين الحرة) في إحدى المناطق المركزية بالجامعة. وقد صرَّحت المتحدثة باسم المتظاهرين أن المخيم الذي نظمته حركة الطلاب يمثل التضامن مع فلسطين، وأنه استجابة لدعوة للتصعيد خاصة فيما يتعلق باعتقال وقمع الطلاب المؤيدين لفلسطين، لقد مثلت الاعتصامات داخل ساحات الجامعات بالخيام متماثلا لما يعيشه أكثر من مليوني فلسطيني نازح ومشرد في قطاع غزة، فكانت دافعا لمزيد من الحراك في الجامعات الأخرى داخل أمريكا وخارجها.
وفي جامعة (إيمرسون) في (بوسطن) تم إلقاء القبض على 108 من الطلاب، بينما في جامعة (تكساس) تم اعتقال 55 شخصا. وقد هددت بعض إدارات تلك الجامعات بفصل الطلاب المحتجين.
