غزة رمز للعزة (25) في انتظار مقاطعة أكثر فاعلية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي مقابلة العدوان الإسرائيلي الوحشي السافر على سكان قطاع غزة وما صاحبه من جرائم حرب شنيعة، وأعمال إبادة جماعية واسعة ومتواصلة تم فيها قتل أعداد كبيرة من النساء والأطفال والشيوخ بدم بارد! جاءت المقاطعات الشعبية في العالم العربي والعالم الإسلامي لمنتجات شركات عالمية تتعامل مع الكيان المحتل وتمده بالدعم المادي كي يواصل اعتداءاته الوحشية على إخواننا الفلسطينيين في غزة، وهذا الدعم من هذه الشركات الأمريكية والأوروبية معروف من قبل ليس بجديد عليها؛ إلا أن مواصلته والتأكيد عليه في هذه المرحلة من العدوان الإسرائيلي يعد تأييدًا ظاهرًا ورضاءً كاملًا، ومشاركة صريحة من هذه الشركات في ارتكاب تلك المجازر والجرائم التي لا تتوقف ليل نهار في حق الفلسطينيين، ويستوجب قطعًا الوقوف ضدها وقفة جادة؛ لحملها على التراجع عن هذا الدعم وتلك المساندة السافرة للكيان المحتل.
وهذه المقاطعة لتلك الشركات العالمية -وإن كانت أضعف الإيمان- سلاح لا يستهان به إذا استخدمته الشعوب الاستخدام الأمثل، وحافظت على متابعته واستمراره في ظل عالم صارت تحكمه أولًا وأخيرًا المصالح الاقتصادية، ويحرِّكه الحرص الدائم على تحقيق أكبر قدرٍ من الأرباح، ونيل أعلى المكاسب بشتى الوسائل.
وتعد مصر واحدة من الأسواق الكبيرة التي يتم فيها تسويق الكثير من المنتجات والسلع الغربية، للكثافة السكانية أولًا، ولإدمان كل ما هو مستورد والانبهار به ثانيًا، وهو سلوك من مخلفات فترة الاحتلال الأجنبي الذي رحلت جيوشه وبقيت هيمنته على كثير من النفوس، ولو على حساب المنتجات المصرية ولو كانت تلك المنتجات المصرية لا تقل عن الأجنبية جودة، بل ولو كانت تقل عنها سعرًا، وبالتالي ضخامة الأموال التي تنفق على تلك المنتجات والسلع.
ولعل من حسنات تلك المقاطعة الشعبية لمنتجات وبضائع تلك الشركات العالمية الداعمة لإسرائيل وسلاسل المحلات التابعة لها أن كثيرًا من الشباب صار يقود تلك المقاطعة ويتحمس لها ويدعو إليها فعلًا وقولًا، وهو أمر يجعلنا نتفاءل ونحسن الظن بشبابنا ووعيهم، والأجمل أن نرى أطفال المدارس الصغار من أكثر الناس حماسًا ومشاركة في تلك المقاطعة على صغر أعمارهم، فمنهم من كان يحب أنواع من المأكولات أو الحلوى أو المشروبات فقاطعها، وحث غيره على مقاطعتها، وهو يشعر أنه إنما يفعل شيئًا كبيرًا، وهو بالفعل شيء كبير؛ لأنه يشكل وينمي فيهم وجدانهم وإحساسهم بآلام المظلومين من إخوانهم في غزة، ويا له من شعور.
حرب إعلامية على الشركات العالمية الداعمة لإسرائيل:
مع تمادي العدوان الإسرائيلي وتمادي شركات عالمية بعضها شركات عملاقة في دعمها المادي للكيان الصهيوني عجَّت وسائل الاتصال الاجتماعي في العالم العربي والإسلامي بدعوات لمعاقبة تلك الشركات اقتصاديًّا، وتوالي إصدار قوائم عديدة بالأسماء والعلامات التجارية لتلك الشركات العالمية التي لها أنشطة وفروع وسلاسل محلات في العالم العربي والعالم الإسلامي وينبغي مقاطعتها.
وقد وصلت رسالة المقاطعة تلك للعديد من تلك الشركات العالمية بأن المستهلكين في العالم العربي والإسلامي -وبدون أي قرارات رسمية من حكومات أو دول- غير راضين عن سياسة تلك الشركات وأنهم لن يشاركوا معهم في قتل إخوانهم بشراء ودعم منتجات وسلع تذهب بعض أرباحها لقتلهم.
وقد تأثرت بعض هذه الشركات العالمية إلى حدٍّ ما بتلك المقاطعة من خلال انخفاض قيمة أسهمها السوقية، أو انخفاض مبيعاتها، أو اضطرارها إلى إغلاق بعض فروعها؛ فمن ذلك: إعلان المدير المالي لشركة مأكولات سريعة - كانت قد أعلنت أنها ستقدم وجبات مجانية للجنود الإسرائيليين في قطاع غزة - أن الشركة خسرت نحو 7 مليارات دولار من قيمتها؛ بسبب تأثير المقاطعة الشعبية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي لمبيعات الشركة منذ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في دلالة واضحة على مدى قدرة تلك المقاطعة الشعبية على التأثير، ولم يختلف الوضع كثيرًا في شركة مشروبات ساخنة حيث اشتكى العاملون بها من بدء اتخاذ الشركة لإجراءات من بينها خفض عدد العاملين في فروعها مع استمرار المقاطعة، والتي تسببت في خسائر تاريخية للشركة قدرت بنحو 98 و10 مليار دولار، حيث بدت محلاتها في جميع المولات خالية من الزبائن ، بالرغم من تقديم عروض وتخفيضات على مدار الأيام الماضية؛ هذا بعد أن كانت هذه الشركة الأعلى مبيعًا.
وأكد المتابعون أنه في حالة استمرار المقاطعة ستلجأ الشركة إلى غلق 30 % -على الأقل- من محلاتها وتسريح أعداد من العاملين بها في ظل تصاعد الخسائر في مصر وخارجها.
الإقبال على المنتجات المحلية البديلة:
ترتب على تلك المقاطعة وتزايدها، تزايد البحث عن البديل لها من المنتج المحلي الجيد لتوفيره ودعمه بكل قوة والترويج له، من خلال حملات للترويج للمنتج المحلي، وقد تم بالفعل تدشين صفحات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي لتعريف الجمهور بكثير من المنتجات المحلية والتي قد تكون منسية، وهي من إنتاج شركات الصناعات الغذائية والمشروبات والمحلات الوطنية، والتي تقدِّم بدائل مشابهة للمنتجات والسلع الأجنبية، وذلك تحت شعار: (اشترِ المصري)، وهو أمر له -بالطبع- مردوده الإيجابي على الاقتصاد القومي، وكان -وما زال وسيظل- مطلوبًا من الأمة لتقوية اقتصادها ودعمه، وهو اتجاه يجدد التساؤل المنطقي: لماذا لم نفعل ذلك منذ سنوات طويلة؟ ولماذا لا تكون الأرباح الناشئة من التهافت على المنتجات الأجنبية والترويج لها لتسويقها في بلادنا هي من حقِّ أبنائنا العاملين فيها بإنتاجهم مثل تلك السلع وتقديم مثل هذه الخدمات؟
والجواب بيدنا لا بيد غيرنا؛ خاصة وأننا نعاني من اعتمادنا في أكلنا وشرابنا على البضائع والسلع والمنتجات، والمأكولات والمشروبات الأجنبية، ونستورد الكميات الكبيرة منها من الخارج؛ سواء من السلع الأساسية الضرورية أو من المنتجات الكمالية بما يؤثر بشكل بالغ على اقتصادنا القومي.
