الألباني على طريق ابن حجر (1) الألباني على طريق ابن حجر والصوفية على طريق البدوي والفرغل!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيتعرض الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- في هذه الآونة إلى حملة مِن عددٍ من رموز التصوف، تجعل قصة الرمز الصوفي الفرغل مع الإمام ابن حجر تقفز فورًا إلى الذهن، وقد عالجنا هذه القصة في مقالة سابقة، ولكن لا بأس بإعادة التذكير بها مرات ومرات، طالما يصر الصوفية أن يحاكموا الفقهاء والمحدِّثين إلى أذواقهم ومواجيدهم، وتجاربهم وكشفهم؛ فعلم الحديث عندهم يدرسونه، فإذا تلاعب الشيطان بأحدهم في منامه فوسوس له أن حديثًا تقتضي صناعة الحديث القول بضعفه الشديد، بل بوضعه، يقول: إنه صحيح، فيصبح صحيحًا! بل إذا أنشد أحدهم قصيدة مشحونة بالمخالفات ثم رأى رؤيا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقرَّها، وألبسه بردته من أجلها، فتُسمَّى: بالبردة، وتُنشد في المسجد مصحوبة بالفرق الموسيقية!
وإذا ظهر له شيطان يأمره بخلاف السُّنة وقال له: "إن أخاك الخضر يحدثك من اللوح المحفوظ"، فلا اعتبار لنصٍّ بعد ذلك! ولهذا يزعجهم أن تعلم الأمة أن جلَّ الأحاديث التي يستدلون بها؛ فيها الموضوع، والضعيف شديد الضعف، أو الموقوف، أو المدرج، وأنهم يقدِّمون تلك الأحاديث على أحاديث البخاري ومسلم، التي يتباكون من أن الألباني قد ناقش بعضها وبحث مدى انطباقها على شروط الشيخين، كما فعل مِن قبله الحُفَّاظ: كالدارقطني، وغيره.
القصة المزعومة للفرغل وابن حجر وعداء الصوفية للفقهاء والمحدثين:
فلنعد إلى قصة الفرغل مع ابن حجر -رحمه الله-، كما يرويها الصوفية: قال الشعراني في (طبقات الصوفية): "ومنهم: سيدي الشيخ محمد بن أحمد الفرغل -رضي الله تعالى عنه- من الرجال المتمكنين أصحاب التصريف..."، ثم قال: "ومن كراماته: مرَّ عليه شيخ الإسلام ابن حجر -رضي الله عنه- بمصر يومًا حين جاء في شفاعة لأولاد عمر، فقال في سرِّه: ما اتخذ الله من ولي جاهل، ولو اتخذه لعلَّمه -على وجه الإنكار عليه-، فقال له: قف يا قاضي! فوقف، فمسكه وصار يضربه ويصفعه على وجهه! ويقول: بل اتخذني وعلَّمني!".
وليست هذه هي الواقعة الوحيدة بين الحافظ ابن حجر والفرغل؛ فهم يذكرون في دروسهم المتناقلة على الإنترنت قصة أخرى تقول: "إن الفرغل كان يبيع الحشيش أمام باب الجامع الأزهر وقت الصلاة، واستنكر الحافظ ابن حجر (في نفسه) أن يقال عن الفرغل: ولي، وهو يبيع الحشيش على باب المسجد (هنا الحافظ ابن حجر، وهو حافظ الدنيا، اكتفى بالإنكار القلبي على مَن يبيع الحشيش أمام المسجد وقت الصلاة!)، وتمضي القصة لتقول: إن الفرغل عاقبه بأن أنساه الفاتحة، ولم يعفُ عنه ويردها إليه حتى باع الحشيش معه!
وبعد أن أذعن الحافظ ابن حجر وباع الحشيش (لاحظ أنه باع معه الحشيش دون أن يعرف الحيلة -أي: وهو يراه من الكبائر-، ولكن ماذا يصنع؟ أيعيش حياته دون علم بالفاتحة؟ فقد محاها الفرغل من رأسه، ولن يردها إليه إلا بهذا الشرط!) بيَّن له الفرغل حينها أنه يبيع حشيشًا رديئًا يجعل مَن يتعاطاه يكرهه ويقلع عنه!
ولكن الفرغل لم يبيِّن لنا: لماذا اختار وقت الصلاة وأمام باب المسجد طالما تذكر القصة أنها أسباب ظاهرة، وأن الحشيش صنف فاسد؛ فلماذا يضيع الصلاة؟!
كارثتان مشتركتان في كلٍّ من القصتين:
1- في كل مرة لم يجرؤ الحافظ (وَفْق ما تقول القصة) إلا على الإنكار القلبي، ومع هذا عَلِمَ به الفرغل! فهل ينسبون له علم ما في ضمائر الناس؟!
2- "الضرب - السب - العدوان على عقل الحافظ ابن حجر - إبطال صلاته وصلاة المأمومين خلفه - إجباره على فعل مشين علنًا"؛ هذه قائمة عقوبات صغيرة أوقعها الفرغل على مَن حدَّثته نفسه (بالمعنى الحرفي لكلمة: حدثته نفسه) أن ينتقده!
ثم يتكلمون بعد ذلك عن الحب الصوفي؟!
بكاء الجفري على ما اعتبره تفضيل السلفيين للألباني على الحافظ ابن حجر:
وازن بين هذه القصة وبين الانفعال المصطنع للحبيب الجفري، وهو يقول: يا ناس، نقول: صححه الحافظ ابن حجر، أو صححه ابن حجر الهيتمي، وتقول: ضعفه الألباني؟! ومن يكون الألباني أمام ابن حجر؟!
ولكن لماذا لم ينكر على شيخه لما خرج في الإعلام يحكي قصة الفرغل، وما صنعه بابن حجر؟! (طبعًا هو ساق اسم ابن حجر العسقلاني لمكانته عند عموم الأمة، ولكن المقصد الأكيد منع أي أحد من مناقشة رضوخ ابن حجر الهيتمي للصوفية وتصحيحه لما يطلبون، ودفاعه عن ابن عربي، وتمريره لكلِّ انحرافات البردة).
منشأ العداء وقصة أخرى مكذوبة بين البدوي وابن دقيق العيد:
كان الفقهاء على طريقة الأئمة الأربعة ينهون عن البدع ومحدثات الأمور "ومنها: التصوف"؛ لا سيما الشافعية، حيث يقول إمامهم الشافعي: "لو أن رجلًا تصوَّف أول النهار لم يأتِ عليه الظهر إلا وجدته أحمق" (رواه البيهقي في مناقب الشافعي) ، ونقل عنه ابن الجوزي في تلبيس إبليس أنه قال: "ما لزم أحد الصوفية أربعين يومًا، فعاد عقله إليه أبدًا!".
ولكن مصر والشام بعد سقوط الدولة العبيدية المسماة زورًا: "بالفاطمية"، تعرَّضت لغزو صوفي من بلاد المغرب "بلاد العبيديين"؛ فأظهر بعضهم الزهد، وأظهر البعض الآخر خوارق العادات، فالتف حولهم بعض العامة، وظن المماليك أن هذا باب حسن يتقربون به إلى الله وإلى العامة في وقتٍ واحدٍ دون أن يشغلهم هذا عن القتال أو يمنعهم من الترف؛ فصار كل واحد منهم يتبنى زاوية صوفية ينفق عليها من صنوف الطعام والشراب إلى آخر ذلك، فاستفحل أمر الصوفية وشنوا حملات إرهاب لكل مَن خالفهم من الفقهاء أو الوجهاء، بل وزاد الأمر إلى أن وصل إلى مواجهة الأمراء أنفسهم.
وقد آذى الصوفية الفقهاء أيما أذى، ولكن الأهم أن الصوفية شنوا حملة اغتيال معنوي لمن عارضهم من الفقهاء.
والصوفية يسجلون أن العز بن عبد السلام -رحمه الله- كان مبالغًا في الإنكار على التصوف ثم تغير رأيه فيهم؛ فصار يشهد مجلسهم، ويرقص رقصهم! ويعللون ذلك بأنه رأى من كرامات أبي الحسن الشاذلي ما جعله يميل إليهم.
وكان يمكن أن نصدِّق هذا لو لم يبالغ الصوفية في ذكر تماهي العز بن عبد السلام معهم في رقصهم، مع تصريحه بذمهم في (قواعده)، ومع عدم اتساق هذا إطلاقًا مع شخصيته التي عبَّرت عنها كتبه، ووقاره وهيبته التي حكاها التاريخ عنه.
