شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الألباني على طريق ابن حجر (1) الألباني على طريق ابن حجر والصوفية على طريق البدوي والفرغل!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

(يعني شيوخ الصوفية الكبار الآن يكتفون في مجالس ذكرهم بهزِّ الأكتاف، ولا يرقصون ويقفزون في الهواء، ويزحفون على البطن، وغير ذلك مما نسبوه إلى العز بن عبد السلام بعد ما كان منكرًا لكل أحوالهم).

وكذلك ابن دقيق العيد، قالوا إنه انتقل من عداء الصوفية إلى الدِّفاع عنها.

ونحن لا نعلم المواجهات الحقيقية التي جرت بين الفقهاء وبين رموز التصوف، ولكننا سنتوقف عند قصة أسطورية أخرى زعم فيها الصوفية أن وليًّا -مِن عندهم- لقَّن فقيهًا درسًا جعله يلزم الأدب معه طوال عمره.

قال عبد الصمد زين الدين الأحمدي في الجواهر السنية: "إنَّ الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد قاضي القضاة بالديار المصرية سمع بالشيخ وأحواله، فنزل إليه واجتمع به بناحية طنطا، وقال له: يا أحمد! هذا الحال الذي أنت فيه، ما هو مشكور، فإنه مخالف للشرع الشريف، فإنك لا تصلي، ولا تحضر الجماعة! وما هذه طريقة الصالحين!

فالتفت إليه سيدي أحمد البدوي -رضي الله عنه!- وقال: اسكت وإلا أطيِّر دقيقك! ودفعه دفعة، فلم يشعر بنفسه إلا وهو في جزيرة واسعة، لم يعلم لها طولًا ولا عرضًا!

فأقبل يلوم نفسه ويعاتبها، وهو ذاهل العقل، غائب عن الصواب، ويقول: ما لي ومعارضة أولياء الله تعالى، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصار يبكي، ويستغيث، ويبتهل إلى الله.

فبينما هو كذلك إذ ظهر له رجل له هيبة ووقار، سلَّم عليه، فردَّ عليه السلام، وقام عليه وجعل يقبِّل يديه ورجليه!

فقال: ما قضيتك؟ فأخبره بخبره مع سيدي أحمد البدوي!

فقال له: لقد وقعت في أمر عظيم! أتدري كم بينك وبين القاهرة؟!

قال: لا والله.

قال: بينك وبينها سفر ستين سنة!

فازداد همًّا على همِّه، وغمًّا على غمِّه، وكبر في قلبه الخوف! وقال: يا تُرى من يُخلِّصني من هذه الورطة؟! إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

وأقبل على الرجل يقول له: أرشدني يرحمك الله.

فقال له: هوِّن عليك الأمر، فما يحصل لك إلا الخير إن شاء الله تعالى.

قال: وكيف لي بذلك؟

فأخذ بيده وأراه قبة كبيرة، وقال له: ترى هذه القبة... اذهب إليها، واجلس فيها، فإنَّ سيدي أحمد البدوي يُصلِّي فيها العصر بجماعة من الرجال، ويودِّعونه وينصرف كل واحد إلى حال سبيله!

فإذا صلَّيتَ معهم فتعلَّق به، وتملَّق بين يديه، وقبِّل يديه ورجليه، واكشف رأسك، وتأدَّب معه! وقل له: أستغفر الله وأتوب إليه، ولا أعود لما صدر مني... فإذا رأى منك ذلك فإنه يُقبل عليك، ويردك إلى موضعك -إن شاء الله تعالى-. وكان الرجل الذي أتى الشيخ ابن دقيق هو الخضر -عليه السلام-!

فامتثل الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد أمره، ومشى إلى القبة، وجلس فيها على وضوء ينتظر قدوم الجماعة، فما كان إلا هنيهة حتى أقبلت الجماعة من كل جانب ومكان، وأقيمت الصلاة، فتقدَّم سيدي أحمد البدوي -رضي الله عنه!- وصلَّى بهم إمامًا، فلمَّا انقضت الصلاة تعلَّق الشيخ ابن دقيق بأذياله، وكشف رأسه، وجعل يقبِّل يديه ورجليه، ويبكي ويستغفر ويعتذر! وأنصف من نفسه.

فأقبل عليه سيدي أحمد -رضي الله عنه!-، وقال له: ارجع عما كنت فيه، ولا تعد إلى مثله!

فقال له: السمع والطاعة يا سيدي!

فدفعه دفعة لطيفة، وقال: اذهب إلى بيتك؛ فإنَّ عيالك في انتظارك.

قال: فلم يشعر ابن دقيق العيد بنفسه إلا وهو واقف بباب داره بمصر، فأقام مدة ببيته لا يخرج منه لما جرى له مع سيدي أحمد البدوي -رضي الله عنه!-".

ابن حجر خاتمة الحفاظ:

لقد قام المشتغلون بعلم الحديث بدور عظيم في حمل دين الإسلام جيلًا بعد جيل، وغلب على الجيل الأول تتبُّع آحاد الأحاديث، ثم جاء عصر الجمع والتأليف والترتيب لتنقل السُّنة بعد ذلك في كتب ودواوين، نهل منها علماء العقيدة والفقه والآداب والأخلاق.

وربما تصدى بعضهم لبيان درجة الحديث الذي أورده من حيث القبول أو الرد، ولكن معظمهم لم يفعل هذا، تاركًا الأمر لطبقة أخرى من المحدِّثين تقوم به، أو ربما نقل خلاصة ما اطمأن إليه من كلام المحدِّثين.

ولأن معظم المصنِّفين في هذه العلوم اكتفوا بإيراد المتن، فقد احتاجت كتبهم إلى أن تُخدَم بخدمة أخرى، وهي: "التخريج"؛ أي: إرشاد الدارس للموضع الذي يجد فيه هذا المتن مرويًا بسنده، وقد لا يُطلَق التخريج إلا إذا كان هذا الأمر قد فُعِل على وجه الاستيعاب أو قريب منه.

قال السخاوي في (فتح المغيث): "والتخريج: إخراج المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء، والمشيخات، والكتب، ونحوها، وسياقها من مرويات نفسه أو بعض شيوخه أو أقرانه، أو نحو ذلك، والكلام عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين".

وهذا "التخريج" غرضه في النهاية الوصول إلى "التحقيق"، وهو: إعطاء كل حديث حكمه من حيث القبول أو الرد من حيث المبدأ، مع بيان مرتبته من القبول أو مرتبته من الرد.

وبالطبع كان الأمر يحتاج إلى تهذيب وترتيب لصياغة قواعد علم المصطلح، كما كان هناك الاجتهاد في تيسير حصول المحققين على بغيتهم من تراجم الرجال.

وكان خاتمة الحُفَّاظ، الحافظ ابن حجر العسقلاني، قد ضرب مع كل فريق بسهم، بحيث صار إمامًا لمن بعده، فهذَّب (تهذيب الكمال) للحافظ المزي في الرجال حتى صار هو المرجع الأهم في معرفة أحوال الرواة.

وأما علم القواعد، فرغم أن ابن الصلاح قد سبقه إلى كتاب اعتُبِر بالفعل أصلًا لكل المصنِّفين بعده؛ إلا أن ابن حجر كتب (نخبة الفكر) وشرحها في (نزهة النظر)، وقد سلك فيها ترتيبًا يراه كثيرٌ من الباحثين أكثر تأنقًا من ترتيب (مقدمة ابن الصلاح).

وأما التخريج والتحقيق، فقد برع فيه الزيلعي، فخرَّج أحاديث كتاب (الهداية) في الفقه الحنفي في كتاب (نصب الراية لأحاديث الهداية)، ثم جاء الحافظ ابن حجر ليصنف كتاب (التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير)، ليحقق فيه أحاديث (الشرح الكبير) للرافعي؛ فضلًا عن موسوعته الغنية في علم دراية الحديث؛ أعني (فتح الباري شرح صحيح البخاري).

إن المسلم المعظِّم لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليمتلئ قلبه حبًّا لمن خدم سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا سيما من كانت خدمته لها متنوعة، وكانت إسهاماته -على تنوعها- في درجة عالية من الإتقان.

الصفحة السابقة الصفحة التالية