شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الألباني على طريق ابن حجر (1) الألباني على طريق ابن حجر والصوفية على طريق البدوي والفرغل!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

(أحمد شاكر - المعلمي اليماني - وخاتمة المحدثين الألباني):

لما سيطر الصوفية على الحركة العلمية، وأشاعوا إغلاق باب الاجتهاد في الفقه والحديث، بعد ما أدخلوا في الفقه قهرًا أقوالًا بجواز الكثير من صور الغلو في الصالحين، وأدخلوا في الحديث تصحيح ما يخدم ذلك، وإن كان موضوعًا أو شديد الضعف، وتضعيف أو تأويل ما يخالفهم ولو كان في غاية القوة ثبوتًا ودلالة! كان لهذا أكبر الأثر في حالة الضعف الديني والدنيوي التي أصابت الأمة الإسلامية؛ حتى كانت النهضة التي بدأها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في باب الاعتقاد، والشوكاني في باب الفقه، وليس هذا كلام السلفيين، بل هذا كلام الأستاذ "محمود شاكر" في (الطريق إلى ثقافتنا)، وكلام المستشار "طارق البشري" في (القوانين الوضعية)، وكلام المؤرخ "أحمد أمين" في أكثر من كتاب له، بل وكلام "طه حسين" في بعض مقالاته.

إلا أن هذه الدعوات التصحيحية لم تبدأ في الانتشار العام إلا بعد أن أيقن الجميع أن تيار الجمود الفقهي، الملتحف بالجدل الكلامي والخرافة الصوفية، قد عجز عن الدفاع عن الإسلام، ليس في ميدان المعركة فقط، ولكن الأهم في ميدان الفكر أمام العلمانية الوافدة.

وهنا شعر الجميع بضرورة العودة إلى الدليل (كتابًا وسنة)، وكان الطريق إلى الكتاب أيسر -بفضل الله-؛ لأنه تنقله الكافة عن الكافة.

وأخذت الأمة تتلمس طريق الحديث، واستعمل الله لهذا الشأن ثلاثة رجال؛ كان ثالثهم الذي استوت جهود الثلاثة على يديه، وهو: "العلامة الألباني" -رحمه الله رحمة واسعة-، وهذا كلام شهد به عالم أزهري كبير؛ هو: الدكتور "معبد عبد الكريم"، مع أنه ليس سلفيًا، ومع أنه ينافح عن الأشعرية، فلا يُظن أنه قال هذا الكلام من باب المجاملة أو الانحياز.

جاء في حوار أجرته معه (مجلة البيان) في عددها الصادر في جمادى الآخرة - 1424هـ الموافق أغسطس - 2003م، (السنة: 18)، ومما جاء فيه:

المجلة:

الحركة العلمية الحديثة في مجال تنقيح علوم السنة وتحقيقها وتصحيحها، كان لها ريادة -بلا شك- في هذا المجال؛ ما المصالح التي ترتبت على هذه الحركة؟ وهل هناك ملاحظات يمكن أن تُذكر في هذا المجال؟

الشيخ معبد عبد الكريم:

- لا شك أن الريادة العلمية التي أستطيع ذكرها قد تمثَّلت في ظهور الشيخ أحمد شاكر -عليه رحمة الله-، ومَن كان في وقته مِن علماء الأزهر في مصر، وظهور الشيخ عبد الرحمن المعلمي في الهند، ثم في السعودية، وظهور الشيخ الألباني أيضًا -عليه رحمة الله- في الشام، وظهور الغماريين في مصر والمغرب.

فهؤلاء جميعًا كانوا رموزًا أعادت لمدرسة الحديث شيئًا كبيرًا جدًّا من تقدمها وحيويتها، أو صحوتها. ما زلت أذكر كلام الشيخ الألباني -عليه رحمة الله- في مقالاته المبكرة في مجلة "الوعي الإسلامي"، والتي كانت نواة لسلسلة "الأحاديث الضعيفة"؛ كنا نقرؤه ونحن طلاب في الثانوي أو في الجامعة ونعده في وقته فتحًا جديدًا؛ كيف نقرأ الحديث في "سنن النسائي" غير مبين الدرجة، ثم نجد الشيخ الألباني يقول: "رواه النسائي بإسناد حسن"، فمثل هذا العمل كان يمثِّل مرحلة جيدة -بحمد الله-.

كذلك الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري، والشيخ أحمد بن الصديق الغماري، كان لهما جهد في هذا في بلاد المغرب، وتعاون مع أساتذة الأزهر؛ مثل: فضيلة شيخنا عبد الوهاب عبد اللطيف -رحمه الله-، ووُجِد مِن تعاونهم نشاط علمي في ذلك الوقت.

هذه الصحوة أينعت ثمارها في إخراج تراث السُّنة المخطوط والعناية به، واعتُبرت أعمالهم في وقتهم أعمالًا ريادية، نتج عن هذه الصحوة المحظور الذي ذكرناه قبل قليل؛ وهو: أن هناك مِن الناس مَن ظن أن هؤلاء يمكن مضاهاتهم بسهولة، فبدأ يقحم نفسه، ومِن ثَمَّ ظهر ضعف النتاج الذي تحدثنا عنه، وظهرت مكانة هؤلاء الناس.

ويكفي أنهم فتحوا هذا الطريق أمامنا وحوَّلوه إلى حركة دائبة إلى حدِّ أنه الآن تُكتب بحوث ورسائل في مستوى "علل الحديث" -مثلًا- بأقلام رصينة معقولة؛ هذا يُعتبر شيئًا جيدًا جدًّا" (انتهى) .

(هذا كلام الشيخ معبد عبد الكريم أوردته بتمامه، وفيه ثناء على الغماريين، وهم مِن جملة مَن اشتغل بالحديث، ولكنهم دون الألباني بمراحل، وكفى الألباني كتابه: "إرواء الغليل"، الذي خرج وحقق فيه أدلة "منار السبيل"، أحد أغزر كتب الحنابلة من حيث الأدلة. وكأن الله ادخر للألباني أن يبقى المذهب الحنبلي بلا تخريج كهذا ليأتي الألباني، فيصطف بكتابه إلى جوار الحُفَّاظ: الزيلعي، وابن حجر العسقلاني (وإن تقدما عليه في الزمن والرتبة -رحم الله الجميع-).

غير أن الغماريين أيضًا كانت مشكلتهم الجوهرية: أن الفكر الصوفي الذي تبنوه فرض عليهم في كثيرٍ من الأحيان التلاعب بقواعد علم الحديث.

وللدكتور معبد عبد الكريم مقاطع صوتية يبيِّن فيها أثر الألباني على الأزهر في علم دراسة الأسانيد، مبينًا أن الأزهر كان يُدرِّس قواعد المصطلح فقط دون علم دراسة الأسانيد، وأنه هو وغيره قد استفادوا من جهود الألباني في هذا.

ولا أظن أن الجفري أو غيره -ممَّن تكلموا في الألباني- يستطيعون أن يتكلموا في الدكتور معبد عبد الكريم.

بل قال أحد رموز الطريقة الأحمدية المعادين للسلفية قصيدة في شأن الألباني قال فيها:

قد كان عِلْمُه من الكِتابِ

لا شيخَ يَهديه إلى الصَّوابِ

ورغم ذا فكَمْ له أَيادِي

في نَشْرِ سُنَّةِ النبيِّ الهادي

وأَشْغَلَ الشبابَ بالحديثِ

وكان مثلَ الباعثِ الحثيثِ

فاللهُ يَجزيه عن الإسلامِ

جزاءَ أهلِ الفضلِ والإِنعامِ

فاضطر إلى الاعتراف بأنه كان مثل "الباعث الحثيث" لعلم الحديث.

وأما دعوى أنه كان بلا شيوخ، والتي يُبنى عليها أنه لا يؤخذ كلامه إذا خالف المتقدِّمين (ولا أدري: هل هذه قاعدة مفصلة عندهم للألباني أم هي مبنية على قولهم بإغلاق باب الاجتهاد؟!).

وهذه الانتقادات كلها سوف نخصص لها مقالة مستقلة -إن شاء الله-.

ولكن عمومًا، الأستاذ الدكتور معبد عبد الكريم قد عدَّ نفسه قد تتلمذ على كتب الألباني، فإن كان الألباني لم يُزكِّه شيوخه؛ فاعتبروه قد زكَّاه تلامذته الذين هم شيوخ مشايخكم في علم دراسة الأسانيد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية