سوريا بين فرحة سقوط بشار وغَمِّ استطالة نتنياهو.. والمهوسون بالثورة يدعون لثورة في مصر!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أولًا: إطلالة على الواقع السوري:
أخيرًا سقط بشار... فـلله الحمد والمِنَّة.
إن بشار قد جَمَع بين أشد صور الإفساد العقدي بالانتماء إلى دين باطني منتسبٍ للإسلام زورًا: كالعلوية، وبين أشد صور الإفساد في الحكم بين الناس باستباحة الدماء، وتمكين أعداء الأمة من أرضها ومقدَّراتها.
ومن ثم عمت الفرحة بعد زوال حكمه.
ولكن حال سوريا كحال المريض الذي قد أثقلت جسمه الأورام السرطانية الخبيثة، وقد تخلَّص من أحدها، وهذا أمر مفرح بلا شك، ولكن لا ينبغي أن يُغفل عن باقي الأورام.
وفي الجسم السوري الآن:
1- القواعد العسكرية السوفيتية:
وقد كانت من أبرز جرائم "حافظ - وبشار الأسد" إعطاء روسيا قواعد عسكرية (ومعلوم أنها وَفْق التفاهمات الأمريكية الروسية، لا يمكن أن تُستعمل ضد إسرائيل تحت أي ظرف؛ فلم يكن السماح بها إلا استقواءً بها على شعبه).
الآن رحل بشار، وحصل على اللجوء الإنساني في روسيا ثمنًا لما قدَّمه لروسيا، وبقيت القواعد الروسية، ولا تكاد تُذكر في كلام الجولاني إلا عرضًا دون أي خطاب موجَّه للروس أنفسهم.
2- التواجد الأمريكي:
وهو يمثِّل احتلالًا صريحًا لبقعة من سوريا. وأمريكا تصرِّح بأنها لن ترحل خشية أن تعود التهديدات الداعشية.
ونحن نعلم أن داعش وغيرها لا تملك سلاح طيران، ولا سلاح دفاع جوي، أي: متى أرادت أمريكا أن تقضي على داعش فلن يكلفها ذلك إلا طلعات جوية أشبه بالتنزه، ولكن أمريكا تريد أن توظف داعش لبثِّ الرعب في الدول الإسلامية، كما كنتُ قد كتبتُ هذا في مقال في بداية ظهور داعش بعنوان: "أمريكا وإعادة تسكين الجهاديين في العالم الإسلامي".
3- وجود جزء تحت سيطرة داعش:
رسمت أمريكا بطيرانها حدوده حينما أجبرت داعش عليه، وتوقفت عن قصفها طالما كانت داخله، فتكون أمريكا قد أعطت داعش جزءًا من سوريا، وأخذت الجزء الذي بجواره؛ لكي تعطي لوجودها في سوريا مبررا وكأن وجودها لمنع خطر داعش.
4- قوات قسد:
وما يُقال عن داعش يُقال أيضًا عن قوات قسد التي أعطت لها أمريكا جزءًا من الكعكة السورية، وتقوم طائراتها بمنع تغوُّل الجولاني -أو غيره- داخل الجزء الذي خصصته لها؛ أما إذا خرجت قسد عن الحدود المرسومة لها أمريكيًّا فتترك أمريكا المواجهة بينها وبين الجولاني على ما تنتهي إليه.
5- تمدد إسرائيل في سوريا:
بعد سقوط بشار، جاء نتنياهو يتمختر في مشيته، وقواته تسير أينما تريد في سوريا، تتابع كل المعدات والأسلحة والذخائر فتدمرها بلا أي مقاومة، ولا حتى استنكار من أحد؛ لا الجولاني -وهو أشبه ما يكون بحاكم سوريا الآن-، ولا الأمريكان الذين يقومون -رغمًا عن الجميع- بدور شرطي العالم عمومًا، وشرطي سوريا خصوصًا.
هذا الشرطي الأمريكي يُذكرنا بالشرطي البريطاني حينما كانت بريطانيا تفرض الحماية على فلسطين بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وكانت آنذاك لا ترى ولا تسمع عن جرائم عصابات: جولدا مائير، وبيجن، ورابين، ولكن لما كان يأتي الرد من عزِّ الدِّين القَسَّام والمجاهدين في فلسطين، كنا نجد من بريطانيا الآذان الصاغية، والعيون المحدقة، والتصرف الفوري!
فكذلك حال الشرطي الأمريكي في سوريا؛ لا يرى ولا يسمع شيئًا عن البلطجة الإسرائيلية في الأراضي السورية.
6- الجولاني:
وهو يمثل الآن بسلوكه الحالي لغزًا!
فقد بايع القاعدة في وقت من الأوقات، والقاعدة نسبت إلى نفسها أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي استثمرتها أمريكا لغزو العالم الإسلامي من جديد.
الآن هو يتحدث كثيرًا عن أنه لم يدعُ إلى شن حرب على أمريكا انطلاقًا من سوريا، وأنه حتى ساعة انضمامه للقاعدة كان لا يوافق على هذا، مع أن القاعدة اسمها ودستورها وموضوعها الرئيس هو قاعدة جهاد أمريكا والصليبيين.
حتى تحالف مع داعش، وقال مؤخرًا في لقاء صحفي: إنه تحالف معهم أولًا، ولما خرجوا عن الخط واستهدفوا قتل الناس قاتلهم (وفي الواقع، داعش لم تكن يومًا ما منضبطة بأي ضوابط).
وهل ما يدعيه معارضون له أنه مع مخالفيه في الصف الإسلامي ما زال على طريقته الدموية صحيح؟
نشر أبو حمزة الكردي تغريدة قال فيها: (دمرت أعتى سجون النصيرية وخرج المعتقلون.. ولا زالت سجون إدلب موصدة على خيرة مجاهدي الشام ومهاجريها.. فحسبنا الله ونعم الوكيل).
بث أحدهم فيديو من المسجد الأموي بعد صلاة الجولاني فيه يطالبه بإطلاق سراح المجاهدين المعتقلين عنده.
وبالتأكيد نحن نرحب باعتدال الجولاني على أن يكون اعتدالًا حقيقيًّا مبنيًّا على أدلة شرعية، وأن يُطبَّق مع الجميع، ولكن هل من هذا الاعتدال السكوت عن استمرار وجود القواعد العسكرية في روسيا؟
إن قال قائل: يسكت؛ لأنه غير قادر على المواجهة!
فنحتاج أن نعرف: هل استقر أمر الجولاني على ضرورة مراعاة حساب المصالح والمفاسد، والمآلات في قضيتي: الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم لا؟ وهل هذا هو موقف من يعتبرون الموقف الحالي بكل تعقيداته انتصارًا للثورة؟
والأخطر من هذا: هل يجمع هؤلاء بين الإقرار بلزوم النظر إلى المآلات ومراعاة المصالح والمفاسد، وبين دعوة بلاد الربيع العربي الأخرى أن تعود للمسار الثوري، بل العسكري، ويخصون من هذه البلاد مصر -كما سنعود لمناقشة هذا بإذن الله-. فهل يستقيم هذا في شرع أو في عقل؟
نفس الأمر يُقَال -وبصورة أوضح- عن موقفه من التواجد الأمريكي في سوريا، لا سيما مع الكلام على المفاوضات التي تُجرى بين الطرفين، وسعي أمريكا لحذف هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب، وأحاديثه الصحفية التي كرَّر فيها مناشدة تلك الأنظمة أن تعدل وصفها لهم بالإرهاب.
والعجيب: أنه في حوار مع الـ CNN أجاب بإجابة شديدة النعومة: أنه يتوقع عندما يسقط النظام أن ترحل كل القوات الأجنبية.
والأخطر أنه قال: إنه لو وجد أن مصلحة سوريا في وجود هذه القوات فسوف يتم تقنينه.
والأشد عجبًا هو الموقف من البلطجة الإسرائيلية في الأراضي السورية، فوفق المعايير الإسلامية والوطنية والإنسانية يجب الإنكار -على الأقل- بأشد العبارات إن عجز عن الفعل، أما بالمعايير التي نظَّرها أصحاب ما يسمَّى بالفكر الجهادي، فالأمر أشد من هذا بكثير.
