سوريا بين فرحة سقوط بشار وغَمِّ استطالة نتنياهو.. والمهوسون بالثورة يدعون لثورة في مصر!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
مرة أخرى: نتمنى أن يعتدل الجولاني، ونتمنى أن يقرر اعتداله بأدلة شرعية وكتابات موثقة، ونتمنى أن يكون اعتدالًا، وليس العدول عن التطرف بالتطرف المضاد إلى الليبروإسلام والعالمانية الناعمة وغيرها من أطروحات العالمانية المتأسلمة.
ثانيًا: المهوسون بالثورة يدعون لثورة في مصر:
تهلل الكثير في أنحاء العالم الإسلامي بالفرح والسرور لسقوط بشار، والحمد لله رب العالمين.
ولكن قد صَاحَب هذا حملة عجيبة لا تريد لأحدٍ أن يحذر أو يحزن، أو يذكر بأي وسيلة المخاطر الموجودة في سوريا حاليًا.
والأخطر أنهم يرفعون شعار: أن الثورة السورية قد انتصرت أخيرًا.
ولا يقتصر الأمر عند هذا، بل يتخطى الأمر إلى إعلان أن الربيع العربي قد يبعث من جديد، ثم توجه كثير من المغرضين أو المهوسين إلى النداء بأنهم يتمنون أن يحدث في مصر ما حدث في سوريا! وبدأ بعضهم بالفعل يدعو إلى ثورة في مصر.
وسنناقش هؤلاء في عدة محاور:
1- الواقع في سوريا:
سوريا لا تُصنف أنها ثورة سلمية، ولا حتى غير سلمية، بل تُصنف ضمن المواجهة الشعبية المسلحة مع النظام القائم، وهو: أمر كان قد تراجع عنه كل من ينادي به؛ سواء القاعدة التي كانت غيرت توجهها إلى المقاومة العالمية، وجماعة الجهاد المصرية التي أعلنت إيقاف عملياتها في مصر.
نعم، بدأ الأمر في سوريا كثورة، ولكنه تحول إلى صراع مسلح لأسبابٍ؛ من أهمها:
- أن الحاكم من الطائفة العلوية: وهي وإن انتسبت إلى الإسلام، فحقيقة ما تربي أتباعها عليه أنها دين آخر، وكذلك ينظر علماء الإسلام إليها أنها دين آخر، وليست فرقة إسلامية منحرفة -شأنهم في ذلك شأن البهائية والقاديانية-.
- أن بشار قد ورث عن أبيه أن مقاومة الثورات لا تكون حتى بالأدوات التي تُواجِه بها الدول المظاهرات، مِن: خراطيم المياه، والقنابل المسيلة للدموع، وغيرها، وهذه أمور الأصل فيها ألا تقتل، وإذا نتج عنها قتل؛ فإنه فيكون محدودًا جدًّا، ولكن حُكْم حافظ الأسد وبشار كان يواجه المظاهرات بالجيش الذي يستخدم الذخيرة الحية، والكيماوي، والقصف الجوي!
ومع وجود اضطرابات في العراق، ومع رغبة أمريكا في منافسة الوجود الروسي والإيراني في سوريا، جاءت الجماعات المسلحة وجاءت الأسلحة، وتحول الأمر إلى مواجهة مسلحة.
وظلت المواجهة على الأرض بين النظام وبين جماعات مسلحة متعددة المشارب، من داعش إلى القاعدة إلى جبهات محلية؛ توالي هذه مرة، وتوالي هذا مرة (ومنهم الجولاني). ولا تكاد تجد فيهم مَن ينضبط بأحكام القتال في الإسلام إلا القليل، بل كان الجميع يجتمع ضدهم -للأسف الشديد-.
واستمر القتال على الأرض بينما الطائرات الأمريكية والروسية تحددان مساراته في كثيرٍ من الأحيان، وسارت التفاهمات إلى بقاء الأسد، فكانت الفتنة في استمراره وفي الزج بكثير من الشعب السوري في السجون بتهمة تأييد الثورة.
إلى أن كانت الحملة الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على أذرع إيران، فتغيرت مصالح اللاعبين الكبار، وتحرك الجولاني ضد النظام، والطيران الأمريكي يحدد ألا يخرج أحد عن المسارات التي تريدها أمريكا.
ومن ثم كان تغيير الخطاب السياسي للجولاني، ونكرِّر مرة أخرى: نتمنى أن يعتدل الجولاني، ونتمنى أن يقرر اعتداله بأدلة شرعية وكتابات موثقة، ونتمنى أن يكون اعتدالًا وليس العدول عن التطرف بالتطرف المضاد إلى الليبروإسلام والعالمانية الناعمة، وغيرها من أطروحات العالمانية المتأسلمة.
نخلص -مما سبق- أن الواقع في سوريا يتضمن عدة خصائص:
1- حاكم من طائفة لا ترى نفسها مسلمة في الحقيقة، ولا يراها المسلمون كذلك.
2- مواجهة مسلحة واضحة، وليست ثورة.
3- نتج عنها كثيرٌ من الحروب البينية بين الجماعات، ومن بينها حروب مستمرة إلى الآن تأذى منها السوريون كثيرًا.
4- لعبت القوى الدولية الدور الأبرز في تحديد مَن يصل إليه السلاح، ومن يسيطر على أي بقعة، وبعد سنوات اجتمعت هذه القوى على إبقاء بشار، فكانت سوريا لعبة للقوى العالمية.
5- وبعد أن استقر، أراد الله أن يريح العباد من شرِّه، فقدَّر حدوث درجة انزعاج صهيوني كبير من الأذرع الإيرانية (حتى لا تفاجئها بشيء مثل 7 أكتوبر التي فاجأت بها حماس)، فقادت السياسة الأمريكية إلى قطع هذه الأذرع، فكان هذا من الأسباب الرئيسية للتحول الأخير.
6- العجب كل العجب ممَّن يستبعد أثر هذا الدور الأمريكي في الأحداث، وهو قائم مشاهد معلن (لا أتحدث هنا عن اتفاقات سرية فقط، القدر المعلن يكفي).
ثم العجب الأكبر في تبرير سكوت "الجولاني" عن وجود القوات الروسية والأمريكية، بل قوله: إنه مستعد لتقنينها، ثم سكوته عن الاجتياح الإسرائيلي لسوريا وتدميره لكل مخزون السلاح، والاعتذار السمج بأنه "سلاح بشار!"، مع أن بشار تركه؛ إذًا فلا بد من الدفاع عنه إن وجدنا إلى ذلك أي سبيل.
وهذا ما يضطر إليه كثير منهم، وهو أن يعملوا قاعدة المصالح والمفاسد التي طالما سخروا منها، وطالما قرَّر بعض مَن ينتسبون إلى العلم منهم -كالدَّدو وغيره-، أنه في جهاد الدفع لا مجال لإعمال تلك القاعدة، مع أن إعمالها هنا يبدو إعمالًا قد بالغ في إعمالها إلى درجة السكوت عن أمور تتفق البشرية كلها على أنها عدوان، وأن يكون هذا السكوت بعد ما صار الجولاني في موقع السلطة بصورة أو بأخرى، أي: أنه هو المنوط به هذا الدفاع عن هذا الحق ولو قوليًّا مؤقتًا.
ولكن طالما أنهم قرَّروا هذا المبدأ، فنرجو أن يثبتوا عليه وهم يفتون (مع أن معظمهم شديد الضحالة في العلم الشرعي)، وهم من أماكن إقامتهم (وبعضهم يقيم في بريطانيا صاحبة كل مشاريع الاحتلال). نريد أن نطالبهم بأن يثبتوا على إعمال هذا المبدأ.
