شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

سوريا بين فرحة سقوط بشار وغَمِّ استطالة نتنياهو.. والمهوسون بالثورة يدعون لثورة في مصر!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وبعد أن أوضحنا حال بشار الأسد، وبعد أن استعرضنا ما هو معلوم للخاصة والعامة من دور الدول الكبرى في الأحداث، لا سيما دور أمريكا، وبعد أن رأينا أن أمريكا لها أهدافًا إستراتيجية من السيطرة الفكرية والسياسية على المنطقة، بينما إسرائيل تركز أكثر على عدم وجود جيوش في المنطقة، وأنها متى وجد أي فراغ في أي بلد لها معها حدود فستدخل لتدمِّر أي سلاح، فهل تتمنى هذه الأبواق أن تصل داعش إلى مصر مرة أخرى وتحارب جيشها وحكومتها وشعبها، أو ينشأ من أبناء مصر (حاشاهم) من يكرر تلك التجارب؟

وليكون المشهد الختامي -(والعياذ بالله أن يحصل)- تدمير الجيش المصري.

وأن يأتي زعيم داعش أو القاعدة أو أي تنظيم ليصل للحكم، وساعتها سوف يكتشف أن معاهدة السلام التي يكفِّرون الجيش المصري من أجلها (ضرورة)، وإلا فالجولاني يقول: إنه ممكن يعمل اتفاقية بقاء القوات الأمريكية في سوريا، وهي -بلا شك- أعظم خطرًا بكثير من اتفاقية سلام، بل وحتى الكثير من الأحكام التطبيقية والقضائية، فلا حماس طبقتها في غزة، ولا الجولاني قال إنه سيطبقها في سوريا، ولا طبقها الإسلاميون ككل في مصر في 2012.

ولا يعني هذا الاستهانة بها، ولا قبول القول بسقوطها والسكوت عن الطاعنين فيها، ولا حتى القبول بمبدأ أنها مؤجلة إلى أجل غير مسمى، وإنما الدعوة المستمرة لكل المؤثرين في المجتمع والدولة إلى عدم سن قوانين جديدة مخالفة، وإلى العمل على تنقية القوانين السابقة.

وفوق ذلك، ربما حينما يصلون بعد دماء وأشلاء يرخصون بما يكفّرون به غيرهم؛ فتمام المشهد السوري لمن يغتبطون به ويريدون تصديره لمصر: كان تدمير قدرات الجيش السوري، ولو كان هذا التدمير قد تم وهو في أيدي جيش بشار لهان الخطب، ولكن الأكثر إيلاما أنه تم بعد أن تركه جيش بشار، وكان من المفترض أن يكون هذا سلاحا لجيش سوري حقيقي.

والذي نقف عنده هنا أننا لو عزينا أنفسنا أن هذا جيش بشار والعلويين، فهل يمكن أن يسعى ساعٍ لكي يكون هذا هو مصير الجيش المصري؟

فهل يمكن لعاقل أن يرى أن من المصلحة تدمير قدرة الجيش المصري (وهو الآن الجيش العربي الوحيد حرفيًّا القادر على مواجهة إسرائيل)؟

ثالثًا: شبهة تغير موقف الدعوة السلفية من المظاهرات والثورات:

كثيرًا ما نُواجه بأن موقفنا قد تغيَّر في قضية ما، ولا يُكلِّف من يُردِّد هذا الاتهام نفسه أن يُعيد قراءة المواقف التي يتَّهمنا فيها بالتناقض. وما نرفضه اليوم من دعوات التثوير سبق أن رفضناه في عام 2011، والجميع يذكر هذا.

وقد يقول قائل: "ولكنكم غيَّرتم موقفكم بعد أن نجحت الثورة"، وهذا غير صحيح.

- نحن نؤمن بوجوب مراعاة المآلات، وحساب المصالح والمفاسد في كل خطوة؛ لا سيما إذا كانت تؤثر على المجتمع كله.

- إذا حذرنا من شيء وقام غيرنا بفعله وحدثت المفسدة، نتعامل مع الواقع الجديد بمحاولة تقليل تلك المفسدة، كما نصحنا الإخوان في عام 2013 بعدم استعداء أجهزة الدولة واستيعاب المعارضة، وقُمنا بخطوات في ذلك.

وفي النهاية: حذَّرنا بشدة من التلويح بخطاب التكفير والعنف، ثم كان ما كان، فعملنا على تخفيف مفاسد وقوع ثورة على حكم الإخوان وما حاول البعض أن يجعله ثورة على مظاهر التدين ككل. يُدرك هذا من يُدركه، ولا يُدركه من لا يُدركه، ويتعامى عنه من يتعامى، ولكن هذا هو الذي نشهد ربنا عليه.

- في عام 2011 أنكرنا المشاركة في المظاهرات، ولما حدثت وحدث فراغ أمني قمنا بتكوين لجان شعبية، فكان دائمًا التصرف وَفْق المستجدات ولتحقيق المصالح الشرعية.

- وفي أوج التغني بثورة يناير، ومحاولة كل طرف أن ينسب لنفسه قيادتها أو السبق فيها، كان حرصنا شديدًا على تأكيد متى وكيف كانت مشاركتنا، وأننا لم نُغيِّر شيئًا من هذه القواعد.

وقد كتبت في ذلك مقال: "السلفيون وكشف حساب الأزمة".

- قد يقول قائل: "ألا تُعدُّ أن بعض سقوط بشار مصلحة قد حصلت من مظاهرات، بل من مواجهة مسلحة؟".

فأقول: قاعدة مراعاة المصالح والمفاسد معتبرة دائمًا، ولكن عندما يكون الحاكم كافرًا كقوى الاحتلال أو من فرقة باطنية لا تعتقد الإسلام فعليًّا، تكون مفسدة وجوده كبيرة جدًّا، وبالتالي قد يتحمَّل في سبيلها تضحيات أعلى، لو كانت في النهاية يغلب على الظن إمكانها متى قُدِّمت هذه التضحيات.

فوجود بشار يجعل الحالة السورية غير قابلة للقياس عليها؛ فضلًا عن أن الدراسة الحقيقية لمسار سوريا تؤكد ما قرَّرناه: أن الوجود الأمريكي الروسي هو الذي رسم المسار.

وبالتالي: فلو كان هذا متوقعًا من البداية لما كان لأحدٍ أن يُقدِّم كل هذه التضحيات لمجرد أن يُسقِط شخصًا ينتسِب إلى الإسلام في الجملة، بينما يُدمَّر جيش وقدرات هي في الأصل مملوكة للمسلمين.

وعلى الأقل فهذا مما لا ينبغي أن يُقبل بأي درجة احتمال له في البلاد التي لم تُبتلَ بمثل بشار.

- قد يقول قائل: "وثورة يناير 2011، ألم يترتب عليها مصالح؟"؟

فالجواب أيضًا: أن الأمور النادرة لا يُقاس عليها.

فالتحولات العجيبة التي تمت من مظاهرات سلمية إلى مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين وسقوط ضحايا ومسارعة مبارك باستدعاء الجيش؛ الذي سارع بالفصل بين الجميع وسارت الأمور في ذلك المسار.

ولو أن المحاولات التي تكررت من جهات غير معلومة بإعادة تثوير الشباب ودفعهم مرة أمام مقر وزارة الداخلية ومرة أمام مقر وزراة الدفاع، ولكن بفضل الله تم احتواء كل هذه المحاولات بعدما كادت أن تنزلق أكثر من مرة إلى ما لا يحمد عقباه.

والحاصل: أننا حذرنا في 2011، ولما نَفَّذ غيرنا ووُجِد واقع جديد، تعاملنا مع الواقع الجديد؛ لجان شعبية، ثم حدث تحرش بالمادة الثانية من الدستور، فتحركنا بعمل سياسي، ثم حدث استقطاب في انتخابات الرئاسة، فحاولنا التوسط أولًا. ثم لما استقرت انتخابات الإعادة بين الفريق شفيق والدكتور مرسي اخترنا الدكتور مرسي، ثم حاولنا أن نساعده في تجنب الصدامات. ثم لما حدثت، نأينا بأنفسنا عن الصدام، وحذرنا كل الأطراف من شبح الاحتراب الداخلي، وهكذا.

فنحن الآن -وبالأخص بعد البلطجة الإسرائيلية- نحذِّر وبكلِّ ما أوتينا من قوة من المساس بمصر واستقرارها، أو تهديد قوة جيشها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية