مكارم الأخلاق (10) الشجاعة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وفي رواية: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .
- من مكارم الأخلاق المنشودة: "الشجاعة"؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ) (رواه مسلم) .
- تعريف الشجاعة: قال ابن القيم -رحمه الله-: "هي: ثبات القلب عند النوازل، واستقراره عند المخاوف".
- ما أحوجنا إلى التذكير بفضل الشجاعة في زمان غابت فيه الشجاعة عند كثير من الناس (1) ، وكثر فيه النفاق والجبن، والمداهنة، والتملق بالباطل تحت مسميات زائفة: عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ" (متفق عليه) .
(1) شواهد الحث على الشجاعة في القرآن والسنة:
- أمر الله -سبحانه وتعالى- المسلمين بالشجاعة عند القتال في سبيله، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة: قال -تعالى-: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) (البقرة: 190) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأنفال: 45)، وقال: ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (الأنفال: 16) .
- وقد حثَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّته على الشجاعة، وجعَلها مَجلبة لحب الله ورضاه، وسببًا في تحصيل الدرجات العالية: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . ولما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ( كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
- وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن المؤمن الشجاع أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، من غيره من المؤمنين؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: -: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ) (رواه مسلم) .
وكان -صلى الله عليه وسلم- ينفِّرهم من الجبن؛ فالشجاع مُحبَّب إلى جميع الناس حتَّى إلى أعدائه، والجبان مُبغض حتى إلى أوليائه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الشجاع يقاتل عمن لا يعرفه، والجبان يفر عن عروسه!" (نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري) . والعرب تقول: "إن الشجاعة وقاية، والجُبن مَقتلةٌ" .
وقال شاعرهم:
وإنَّا لَتَسْتَحْلِي المَنَايا نُفُوسُنا وَنَتْرُكُ أُخْرَى مُرَّةً لا نَذُوقُهَا
قلتُ: "والجبناء يقولون: عش جبان تمت مستورًا!".
- وكان -صلى الله عليه وسلم-: يعلم المسلمين أن يتعوذوا من الجبن؛ لما له من الأثر السيئ في الدنيا والآخرة: فعن سعد -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يتعوذ دبر الصلاة: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْن وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر ) (رواه البخاري) .
(2) ضوابط حول أنواع الشجاعة ومجالاتها:
1- الشجاعة مصدرها قوة القلب، وليس قوة البدن: قال ابن القيم -رحمه الله-: "كثير من النَّاس تشتبه عَلَيْهِ الشجَاعَة بِالْقُوَّةِ، وهما متغايران، فَإِن الشجَاعَة هِيَ ثبات الْقلب عِنْد النَّوَازِل وَإِن كَانَ ضَعِيف الْبَطْش" (الفروسية المحمدية لابن القيم) .
وقال الشاعر:
تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيْفَ فَتَزْدَرِيْهِ وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ مَزِيرُ
وَيُعجِبُكَ الطَّرِيرُ فَتَبْتَلِيهِ فَيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطَّرِيرُ
2- الشجاعة فطرية وكسبية:
- فالفطرية: يولد بها الإنسان، أو يرثها من أهله وعشيرته، ومثالها: شجاعة الغلام الذي قال لعمر: "ليس الطريق ضيقًا فأوسعه لك، ولم أقترف ذنبًا فأخاف منك" (عيون الأخبار لابن قتيبة) .
- والكسبية: يكتسبها الإنسان بالتعلم والتجارب والمخالطة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ ) (رواه الطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني) . (أمثلة: الجندي الجديد - الخطيب الجديد -...).
3- الشجاعة طبيعية وأخلاقية:
- فالطبيعية: تكون تجاه الألم الطبيعي والمشقة، أو التهديد والتخويف بالموت. (مثاله: الثبات عند ملاقاة عدو).
