مكارم الأخلاق (10) الشجاعة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
6- شجاعة نساء الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُن-: (أسماء بنت أبي بكر): قالت لابنها -عبد الله بن الزبير- حين قال: "إني أخاف أن يمثَّل بي الحجاج، قالت: يا بني ما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها"؛ عندئذٍ خرج فقاتل قتالًا باسلًا حتى استُشهد، وأقبل عليه الحجاج فحز رأسه، ثم بعث بها إلى عبد الملك بن مروان، وصلبه منكسًا. فقالت: "ما يمنعني من الصبر، وقد أُهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل"، وحين طرح الحجاج جسد ولدها في مقابر اليهود، ثم أرسل إليها أن تأتيه، فأبت أن تأتيه، فأرسل إليها: لتأتين أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك حتى يأتيني بك، فأرسلت إليه: "وَاللهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي! قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ! فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ! بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ! قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا" (رواه مسلم) . والمبير هو: المسرف في إهلاك الناس وقتلهم.
7- شجاعة صبيان الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم-: معاذ بن عمرو بن الجموح وصاحبه، قالا لعبد الرحمن بن عوف وهو واقفٌ بينهما يوم بدر حيث غمزه أحدهما فقال: "يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، قُلْتُ: أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي، فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ" (متفق عليه) . (الصبي الذي ثبت ولم يفر عند رؤية عمر -رضي الله عنه-).
8- شجاعة عُميان المسلمين (عبد الله بن أم مكتوم): ومع أنَّ الله أنزل عذره، فكان يغزو بعد ذلك، ويقول: "ادفعوا إليَّ اللواء فإنِّي أعمى لا أستطيع أنَّ أفرَّ وأقيموني بين الصَّفين!" (سير أعلام النبلاء) .
خاتمة:
- على الأمة أن تسعى بكل الوسائل الممكنة لبثِّ هذا الخلق العظيم في أبنائها؛ لأنه من أسباب عودة عزها وصلاحها: قال ابن تيميَّة -رحمه الله-: "لَمَّا كان صلاح بني آدم لا يَتمُّ في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم؛ بيَّن الله -سبحانه- أنّه من تَولَّى عنه بترْكِ الجهاد بنفْسِه، أَبدَلَ الله من يَقوم بذلك: ( إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ) (الاستقامة) .
نسأل الله أن يجعلنا من الشُّجعان في الحقِّ والعمل به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من المؤسف أننا صرنا نرى الشجاعة في أصحاب الباطل، يدافعون عن قضياهم بكل قوة، وفي المقابل: لا نرى في أكثر أصحاب الحق ذلك. وصدق عمر -رضي الله عنه-: "عجبت لجلد الفاجر، وعجز الثقة!".
(2) ومن أقبح أمثلة الشجاعة في الباطل: شجاعة ابن أخطب اليهودي يوم عرض على القتل يوم بني قريظة، فجعل يبدي جَلَدًا وشدة عداوة للمسلمين.
