شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

صعود الجولاني في سوريا.. بين التفاؤل المفرط والحذر الواجب والتوظيف المريب

أحمد الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مدخل:

في تطور سريع وغير مسبوق لمجريات الأحداث في سوريا، أسفرت عن هروب جنرالات وأفراد الجيش السوري أمام فصائل المقاومة المسلحة تبعه هروب الرئيس السوري السابق بشار الأسد هو وأسرته إلى روسيا؛ حيث أعطته حق اللجوء السياسي إليها، وبذلك تكون انتهت حقبة حكم بشار الأسد من سوريا، وأصبحت سوريا في قبضة الفصائل المسلحة، وعلى رأسها: هيئة تحرير الشام "هتش"، وقائدها العام: "أبو محمد الجولاني" الذي حصل على لقب: "قائد العمليات العسكرية" منذ أن بدأت ميليشياته تتحرك من إدلب إلى حماة ثم حمص وصولًا إلى دمشق.

المشهد السوري الداخلي:

لا شك أن الشعب السوري عانى من الظلم الممنهج والتعصب الطائفي من عائلة الأسد العلوية، ففي حين أن الأغلبية العظمى من الشعب السوري من السُّنة؛ إلا أن حافظًا وبشارًا من الطائفة العلوية التي تنتسب إلى الإسلام زورًا، بينما حقيقتها الكفر الصريح، وهذا ما يفسر سلوك التعذيب والقهر الذي كان يمارسه بشار وأبوه مع معارضيه، وما كانوا يطلبونه من السجناء من السجود لبشار، وغيرها من الانتهاكات والإجرام الذي لا يوجد له نظير -فيما نعلم-.

أما منذ عام 2011، ومنذ أن خرجت المظاهرات السورية تطالب برحيل بشار أسوة بباقي مظاهرات الربيع العربي؛ فإن بشار بسبب إجرامه وخوفه في نفس الوقت، واجه الثورة السلمية بالقوة المسلحة الغاشمة التي لم يكتفِ فيها باستخدام الشبيحة وعصاباته الخاصة، بل استعمل القوة المسلحة في مواجهة المدنيين العزل، مما أدَّى إلى دعشنة الثورة السورية، ومِن ثَمَّ تحولت المظاهرات إلى مواجهة مسلحة مع فصائل عديدة؛ منها: فصائل سورية، وأخرى تسللت إلى سوريا عبر الحدود، وأصبحت سوريا ساحة مفتوحة للمواجهات المسلحة من فصائل تتحرك على الأرض، وجيش بشار الذي دمر سوريا بالطيران والبراميل المتفجرة، وغيرها من أسلحة الحروب التي لا تستخدم إلا تجاه العدو.

ومن توابع ذلك: أن بشارًا استعان بحلفائه الإقليميين والدوليين، فاستنجد بإيران التي أمدته بقوات من الحرس الثوري الإيراني، ثم أمرت أذرعها في لبنان بالتحرك، فأصبح لحزب الله شبه جيش يقاتل على أرض سوريا.

كما جاءت روسيا بقواتها لتنشئ قاعدة عسكرية لها في سوريا، وبالتالي وُجِدت الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك إسرائيل.

ومن الجهة الشمالية: وجدت تركيا كذلك، وكل هؤلاء إما أن يكون لهم وجود صريح ومعلن عن طريق قواتهم وقواعدهم، وإما أن يدعموا فصيلًا مقاتلًا على الأرض، بحيث يتلقى منهم الدعم، ويقوم بدوره الوظيفي في تحقيق أهداف الدولة صاحبة الدعم.

أما الفصائل المسلحة التي تقاتل على الأرض؛ فأصبحوا لا يحصون كثرة، وهم كذلك لا يجمعهم لواء واحد ولا قيادة مشتركة، مع اختلاف كبير في المناهج والمنطلقات، أدَّى في كثيرٍ من الأحيان لنشوب قتال مرير بين هذه الفصائل المسلحة بعضها البعض.

فإذا كان هذا هو وصف المشهد السوري خلال الثلاثة عشر عاما الماضية؛ فكيف للسوريين ألا يفرحوا بسقوط بشار أو زوال نظامه؟

وبالتالي: فالفرحة العارمة التي يشعر بها السوريون عقب هروب بشار لها ما يبررها؛ خاصة إذا صاحب ذلك إخراج الأسرى والمعتقلين من السجون، وتنسم الشعب نسيم الحرية بغض النظر عن ما ستؤول إليه سوريا في السنوات القادمة، أو ما ينتظرها من عقبات أو صعوبات.

المشهد الإقليمي والدولي:

ذكرنا أن المشهد السوري أصبح منذ عام 2011 شديد التعقيد والصعوبة، بل صارت سوريا مسرحًا للصراع الدولي بين القوى المناوئة أو المتنافسة؛ سواء أمريكا وإسرائيل من جانب، أو إيران وروسيا وحزب الله من جانب آخر، بالإضافة إلى تركيا التي لها مصالح وأطماع في سوريا ولديها مخاوف وقلق من نظامها الحاكم، باعتبارها دولة جارة ومتاخمة للشمال السوري.

ويبقى نظام الأسد كالهر المرتجف وسط هذه الأسود المفترسة، فرغم أنه الذي أتى بهم لكي يحموا عرشه؛ إلا أنه صار أسيرًا لهم جميعًا، مع تعارض وتضارب مصالحهم وتباين مواقفهم، وبالتالي فمن الثوابت السياسية والمنطقية التي لا تقبل الجدل: أن الحراك الفصائلي الذي حدث أمام بشار لا يمكن له أن يتم أو يحصل إلا بموافقة واتفاق بين الأطراف المعنية والمتحكمة بالشأن السوري؛ لأنها ليست مجرد داعمة بصورة أو بأخرى، ولكنها صارت جزءًا من المشهد وممسكه بخيوطه الرئيسة.

وهنا نعود إلى التصريحات الرسمية للأطراف المعنية لنعرف من المسئول عن الحراك، ومن الذي رفع يده عن الصراع الحالي وتخلى عن بشار؛ فإذا نظرنا إلى روسيا -وهي اللاعب الدولي الأبرز في سوريا-: سنجد تصريح الرئيس الروسي بوتين أنه لا يستطيع أن يقدِّم الدعم لجيش يفر من مواقعه ويترك معداته، وبالتالي اكتفت روسيا بالبقاء في قواعدها العسكرية، ولم تقدم له الدعم المنتظر.

أما إيران: فقد وعت أن المرحلة الآن لا تحتمل المواجهة مع أمريكا وإسرائيل، وأن ثمة قرار تم اتخاذه بتصفية الأذرع الإيرانية في المنطقة، وقد دمَّرت إسرائيل معظم قوة حزب الله أفرادًا ومعدات، وها هي تزحف على سوريا، ومن ثم رفعت يدها عن دعم بشار، وبالتالي فقد بشار أكبر قوة مقاتلة على الأرض ممثَّلة في ميليشيات حزب الله، أما تركيا فقد هدَّد أردوغان بشارًا بعد تعنته في المفاوضات خلال السنوات السابقة أنه إن لم يتعاون من أجل إنجاح المفاوضات، فإنه سيدعم من يراه متعاونًا من الداخل السوري، كما أن التصريحات التركية جاءت مرحبة وداعمة لحراك الفصائل، وبالتالي فإما أن تكون داعمًا رئيسًا، أو معاونًا، أو مرحِّبًا -على أقل تقدير-.

أما تصريحات قادة أمريكا فلا يفهم منها سوى أنها مرحبة وداعمة لتحرك الفصائل السورية، وأن النظام السوري أوشك أن يفقد شرعية بقائه، ومن هنا تعرف أن ثمة اتفاق أمريكي إسرائيلي روسي على إزالة نظام بشار عن طريق دعم تحرك الفصائل المسلحة؛ سواء بشكل مباشر، أو من خلال وسيط آخر سواء كانت تركيا أو غيرها، وقد تولت الولايات المتحدة الأمريكية تحذير أو طمأنة الأطراف الأخرى حتى لا تتدخل.

الصفحة التالية