صعود الجولاني في سوريا.. بين التفاؤل المفرط والحذر الواجب والتوظيف المريب
أحمد الشحات • قضايا معاصرة
وبالتالي وجد بشار نفسه وحيدًا أمام اتفاق مبرم بين أطراف دولية كبرى؛ لذا جبن عن مواجهة الفصائل رغم أن ما يمتلكه من سلاح ومعدات يمكنه أن يبيد هذه الفصائل عن بكرة أبيها؛ خاصة وأن جيش بشار جيش كامل التشكيل، متطور التسليح، فضلًا عن امتلاكه لمقومات الجيش النظامي من طيران ومنصات صواريخ، ومنظومة دفاع جوي، ودبابات، وأنظمة تجسس، بينما لا تملك الفصائل سوى السلاح الخفيف، فكان قراره هو الهروب بنفسه وبأسرته، تاركًا جيشه بدون قيادة، ولا تعليمات، بل قل بتعليمات تأمرهم بالانسحاب.
ومِن ثَمَّ تحركت الفصائل المسلحة كأنها في نزهة خلوية، لم تستهلك من الوقت سوى وقت الانتقال من مدينة إلى أخرى، فلم تكن ثَمَّ مواجهة، ولا حرب ولا قتال، ولم تكن هناك خسائر في الجانبين لا في الأرواح ولا في المعدات ولا في غيرها، وهذا أمر ينبغي ألا نغفل عنه حتى لا يتم توصيف الحدث بشكل غير حقيقي. نعم ألقى الله في قلب بشار الرعب ففر هاربًا، لكننا نتكلم عن حدث مُدَار وموجَّه بشكل دقيق، وليس أنه تفاعل مفاجئ أو تلقائي.
فرحنا وفرح الجميع بزوال حكم هذا الطاغية، وفرحنا أن الجيش السوري العظيم سيعود ملكًا للشعب وللأمة العربية، سيفًا في مواجهة العدو، ودرعًا حاميًا للوطن، ولكن لم تكتمل الفرحة حيث فاجأتنا الأنباء الحزينة: أن إسرائيل قامت بتنفيذ أكبر ضربة جوية في تاريخ إسرائيل فشنت 350 طلعة جوية دمرت من خلالها كل معدات الجيش السوري البرية والجوية والبحرية والمخابراتية، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
تحولت القطع العسكرية إلى حطام محترق في يومين أو ثلاثة على الأكثر، وأصبحت سوريا دولة منزوعة السلاح إلا ما كان في يد الفصائل من السلاح الخفيف الذي لا يصلح إلا لقتال الشوارع لا مواجهة الجيوش المحتلة، وإمعانًا في الأذى اجتاحت الدبابات الإسرائيلية الأراضي السورية واحتلت ما تبقى من الجولان وجبل الشيخ، وأعلن نتنياهو انتهاء اتفاقية فض الاشتباك بينه وبين سوريا التي أبرمت عام 1974، وأصبحت إسرائيل تعربد في سوريا دون رادع أو مقاوم.
العجيب: أن الدول العربية -وعلى رأسها مصر- بادرت باستهجان هذا العدوان الإسرائيلي وحذرت من تداعياته، ولكن الفصائل السورية التي أسقطت بشارًا لم تحرك ساكنًا، ولم تصدر بيانًا إلا من بعض التصريحات التي صدرت متأخرة! بل لم تتعرض لقضية احتلال سوريا من جانب القوات الأمريكية والإسرائيلية والروسية، ولا نعرف كيف ستتعامل الفصائل مع هذا الواقع المربك خلال الأيام القادمة!
فلنترك المشهد السوري حتى الآن، فسرعان ما ستكشف الأيام القادمة عن كثيرٍ من الألغاز وستجيب عن الأسئلة الحائرة التي تشغل بال المحللين والمهتمين بالشأن السوري، وننتقل إلى الشخصية الأبرز في هذا الحراك، وهو: "أبو محمد الجولاني" الذي سلطت وسائل الإعلام الأضواء عليه، وحاورته وكالات الأنباء العالمية، وتصدر المشهد على أنه قائد هذا الحراك ومسئول العمليات العسكرية على الأرض، خاصة بعد هروب بشار، ثم دخول الجولاني إلى المسجد الأموي في حشد كبير من أتباعه وعسكره، مكبرين ومهللين بتحقق النصر وسقوط النظام.
فمن هو الجولاني؟ وما منهجه؟ وما أهم محطات مسيرته؟
وُلِد أحمد حسين الشرع -المعروف بأبو محمد الجولاني- في العاصمة السعودية الرياض عام 1982، ثم انتقل مع عائلته إلى سوريا وعمره آنذاك 7 سنين، وفقًا لمقابلة أجراها معه الصحفي الأميركي مارتن سميث في فبراير 2021.
وتعود أصول عائلته إلى الجولان السوري المحتل، وكان والده ذا توجه قومي عربي، وقد شارك في بعض الاحتجاجات ضد حكم البعث في سوريا، فسجن على إثر ذلك مرات عدة في سوريا والأردن، فلجأ إلى العراق.
كان الجولاني -وهو لا يزال طالبًا في الجامعة- يأتي من دمشق إلى حلب لحضور خطب الجمعة التي كان يلقيها محمود قول آغاسي (أبو القعقاع) في "جامع العلاء بن الحضرمي" بالصاخور، وحين تعرض العراق للغزو الأميركي في مارس 2003، نادى آغاسي بضرورة مقاومة هذا الغزو، فكان الجولاني ضمن أوائل الملبّين لهذا النداء.
توجه الجولاني للقتال في العراق، وقد كان يبلغ من العمر آنذاك 21 عامًا عندما انضم إلى تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" تحت قيادة "أبو مصعب الزرقاوي"، وفي عام 2005 اعتقلته القوات الأمريكية في الموصل ليقضي خمس سنوات في سجن بوكا الشهير الذي تخرجت منه معظم رموز الجماعات القتالية.
أفرج عن الجولاني عام 2010 وتم تعيينه قائدًا أو أميرًا على الموصل من جانب تنظيم داعش تحت قيادة "أبو بكر البغدادي"، لكنه لم يكن يرغب في الاستمرار في العراق، وعزم على العودة إلى سوريا.
في عام 2011 وبعد تحرك الأحداث في سوريا، سافر الجولاني من العراق إلى سوريا مع مجموعة من المقاتلين كانوا النواة الأولى لتأسيس جبهة النصرة -فيما بعد-.
وبعد تأسيس جبهة النصرة، أعلن البغدادي أن جبهة النصرة هي فرع داعش في سوريا؛ إلا أن الجولاني رفض هذه التبعية، وأعلن أنه تابع لتنظيم القاعدة الأم، وليس لتنظيم داعش، وكان هذا الخلاف كافيًا لاندلاع مواجهات عنيفة للغاية بين جبهة النصرة وتنظيم داعش على الأراضي السورية؛ خاصة أن بعض مقاتليه فضلوا التبعية لداعش، وليس لتنظيم القاعدة.
في عام 2016 أعلن الجولاني فك ارتباطه بتنظيم القاعدة تمامًا، وأعلن تأسيس جبهة فتح الشام، وصارت له ممارسات عنيفة على الأرض تجاه مَن لم يوافقوا على فضِّ الارتباط، إلى أن انتهى بهم الحال إلى تأسيس كيان جديد تحت اسم: "حراس الدين"؛ ما أدَّى إلى أن الجولاني يحاربهم ويعتقل أفرادهم وقادتهم، ويسلب أسلحتهم وغنائمهم، وهكذا.
بعد انفصال الجولاني عن القاعدة خاض العديد من الحروب والمعارك سواء مع الفصائل الأخرى ممن كان رفقاء الدرب بالأمس القريب أو الجيش السوري، مما أدَّى إلى توسع نفوذ هيئة تحرير الشام على غيرها من الفصائل، وأعلنت أمريكا تصنيفها للهيئة أنها منظمة إرهابية، وأعلنت مكافأة قدرها 10 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن الجولاني.
