شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

صعود الجولاني في سوريا.. بين التفاؤل المفرط والحذر الواجب والتوظيف المريب

أحمد الشحات • قضايا معاصرة

وعليه فقد أصبحت إدلب أشبه بدويلة صغرى تحكمها حكومة مؤلفة من حقائب وزارية مختلفة، مع خضوع الجانب العسكري والأمني والمالي فيها لإدارة الهيئة بشكل مباشر، ومع الوقت تحول انشغال الهيئة الأكبر بإدلب فقط مع قلة تواجد واهتمام في باقي المحافظات التي للهيئة فيها وجود مثل حلب وحماة ودرعا ودمشق، مع العلم أن قوة الجولاني كاملة لا تتجاوز 15 ألف مقاتل على أقصى التقديرات، ومِن ثَمَّ انخرط معظم المقاتلين في القيام بالمهام العسكرية والأمنية في إدلب، دون القيام بالمواجهات التقليدية مع قوات النظام كما هو حال باقي الفصائل.

ولا يبعد أن يكون الجولاني منبهرًا بالنموذج الطالباني باعتباره يحكي قصة وصول فصيل مسلح إلى سدة الحكم، وقد تهللت الهيئة فرحًا بوصول طالبان إلى الحكم، وأقاموا احتفالات ونظموا مسيرات حاشدة فرحًا بذلك، بل أصدروا بيان تأييد ومباركة، وقد لفت البيان نظر المجتمع الدولي إلى جرائم النظام السوري وحلفائه في سوريا، كما صرَّح أحد زعماء الهيئة: أن ما يجري في أفغانستان شبيه بما يجري في سوريا، ومن ذلك الوقت قرَّرت الهيئة التوسع إلى مواقع خارج إدلب.

كما عقد أحد منظري الهيئة محاضرة بعنوان: "الجهاد والمقاومة في العالم الإسلامي: طالبان نموذجًا"، وقد عقد فيها مقارنة بين حركة طالبان وهيئة تحرير الشام، وبين أن بينهما نقاط اتفاق وتشابهًا كثيرة، وذكر من أوجه الشبه: الرغبة في التواصل مع الدول الغربية، والقدرة على تأسيس مجتمع مدني تحت مظلة الشريعة، مرتبطًا بالسياق المحلي فقط، ولا يتعارض مع متطلبات السياقات الإقليمية والدولية.

الأحداث السورية بين التفاؤل والحذر والتوظيف:

وقعت الأحداث السورية بسرعة خاطفة أربكت المراقبين، ومن ثَمَّ انطلقت ردود الأفعال تغلب جانب الفرح والابتهاج بزوال حكم بشار دون النظر في مستقبل سوريا المجهول حتى الآن، مع إغفال تاريخ الجولاني الذي ما زال فيما يبدو مقتنعًا به غير متراجع عنه، مع العلم أنه لا مجال هنا لعقد مقارنة بين بشار والجولاني، فلسنا بصدد اختيار يحتم علينا أن نختار أحدهما، لكننا أمام واقع جديد لا يوجد فيه بشار -بحمد الله-، وفي نفس الوقت يتصدره الجولاني، ونريد أن نعرف الموقف الصحيح مما يجرى في تلك البقعة.

وذلك من خلال الخلاصات التالية:

(1) من الغفلة أن نظن أن بشارًا سقط نتيجة مواجهة عسكرية مع فصائل المعارضة، وإلا فبشار مستمر في الحكم بعد الثورة في 2011 لمدة 13 عامًا، ولم يسقط خلال تلك المدة رغم المعارك الطاحنة التي دارت بينه وبين الفصائل المقاتلة مع تنوعها واختلافها؛ خاصة وأن التفاهمات الدولية انتهت إلى بقاء بشار في الحكم رغم أنف الشعب السوري والفصائل المسلحة، بل كان بشار بالأمس القريب في الجامعة العربية مندوبًا عن سوريا.

(2) من الواضح أن تفاهمات دولية جديدة قد تكوَّنت واستقرت على الإطاحة ببشار، وهذه التفاهمات تتماشى مع رغبة إسرائيل بقطع الأذرع الإيرانية في المنطقة، ورغبة تركيا في التخلص من بشار، وإنهاء ملف اللاجئين السوريين الذين يقدر عددهم في تركيا وعلى حدودها بحوالي 4 مليون لاجئ سوري، كان النظام السوري يعارض رجوعهم إلى سوريا مرة أخرى.

(3) نفرح لسقوط بشار، لكننا نحزن على تدمير الجيش السوري على يد القوات الصهيونية، وعلى احتلالها لأجزاء أخرى من سوريا الحبيبة، وهذا أمر يغفل عنه المبالغون في التفاؤل، رغم أنه عظيم الخطر، ويزيد من وهن الأمة وضعفها أمام عدوها.

(4) نفرح بما يظهره الجولاني من اعتدال ظاهري، ولكن: هل هو اعتدال حقيقي أم لمآرب سياسية؟ وهل ثبت أنه تراجع عن أفكاره القاعدية الداعشية أم لا؟ وهل سلوك قواته على الأرض يُفهم منه أنه اعتدال أم لا؟ وهل سلوكه مع الفصائل المقاتلة الأخرى يشهد لهذا الاعتدال أم لا؟

(5) نفرح لتحرر سوريا من قبضة الأسد، ولكن نقلق من وقوعها في يد الفصائل المسلحة المتناحرة التي غلب على بعضها الاستهانة بسفك الدماء والمسارعة في التكفير، فهل ستتراجع الفصائل عن فكرها وتراجع منهجها بعد رحيل الأسد أم تبقى على ما اعتادته وألفته من حمل السلاح المواجهات بالعنف؟

(6) نفرح بفتح السجون السورية وخروج المعتقلين منها، لكننا نخشى من استمرار النهج المتطرف على يد الفصائل المسلحة الحالية، خاصة مع وجود أصوات من الداخل السوري تطالب الجولاني بفتح سجونه وإخراج قادة الفصائل وأعضائهم منها.

(7) نفرح لاستقبال الشعب للمقاتلين بالأحضان، ونخشى من فشل الفصائل في إدارة الدولة فيفشل النموذج سريعًا، وينقلب الناس على من حملوهم على الأعناق بالأمس القريب.

(8) نفرح بانعتاق سوريا من التبعية الروسية الإيرانية، لكننا نخشى من التبعية القادمة، هل ستكون لأمريكا أم لتركيا؟ خاصة مع السكوت المريب على الاجتياح الإسرائيلي للبلاد وتدميرها لكامل معدات الجيش؛ فضلًا عن تصريح الجولاني الذي صرَّح فيه بإمكانية بقاء القوات الأمريكية في البلاد.

(9) نفرح لدخول المسجد الأموي، ولكن نحزن على الغيبوبة التي يعيش فيها أتباع هذه الفصائل، من أنهم غدًا سيدخلون المسجد الأقصى محررين له، فإذا بالقوات الإسرائيلية تأتي لهم على مشارف دمشق فلم يحركوا ساكنًا، فإلى متى تظل المتاجرة بالمشاعر ودغدغة العواطف هي ديدن تلك الفصائل وسبيلها؟ فضلًا عن الانحراف البين بالمطالبة بتحرير المسجد النبوي والمسجد الحرام!

(10) نفرح لفرحة الشعب السوري ونتعجب من السلوك المنحرف للجماعات الصدامية والإخوانية خارج سوريا ممَّن تمدح النموذج السوري من أجل الرغبة في استنساخه في مصر على وجه التحديد، فقد انتعشت تلك التيارات المنفلتة محاولة نفخ الروح في الطرح الثوري مرة أخرى، متناسين أن الجيش السوري قد انهار بالكلية، وأن إسرائيل تعربد في الأراضي السورية كما تحب، وأن البلاد محتلة من عدة دول كبرى، وأن 15 مليون سوري يعيشون في الملاجئ خارج بلادهم، وأن العملة السورية في أدنى مستوياتها، وأن آلافًا من المقاتلين الأجانب ما زالوا مسلحين في أنحاء سوريا؛ فأي نموذج يريدون محاكاته؟ وهل بقي عندهم مسكة من العقل أو ضابط من الشرع يردعهم عن مثل هذه المغامرات التي تعصف بأمن الأوطان وتهدم دعائم البلاد؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية