صعود الجولاني في سوريا.. بين التفاؤل المفرط والحذر الواجب والتوظيف المريب
أحمد الشحات • قضايا معاصرة
في أواخر عام 2017 غيرت الجبهة اسمها إلى "هيئة تحرير الشام" بعد أن اندمجت معها بعض الجماعات المقاتلة الأخرى، ومنذ ذلك التاريخ والقاعدة الأم اعتبرت الجولاني بمثابة العبد الآبق عن سيده، حيث اعتبر الظواهري هذا الأمر بمثابة انتهاك للعهد، كما انتقد "المقدسي" الجولاني واتهمه بتمييع المنهج الأصلي للقاعدة، ومنذ ذلك التوقيت أصبحت إدلب المعقل الرئيسي لهيئة تحرير الشام دون غيرها من الفصائل.
أعلن الجولاني أن هدف الهيئة هو قتال قوات النظام وإقامة حكم إسلامي في إدلب، وإخراج المجموعات القتالية التابعة لإيران، وقد نجح في بسط نفوذه على مساحة كبيرة من إدلب.
في عام 2020 قامت الهيئة بتفكيك غرفة العمليات العسكرية لفرع القاعدة في سوريا المسمى: "حراس الدين" بعد إغلاق قواعدهم العسكرية وقتل بعض قادتهم واحتجاز البعض الآخر؛ منهم: أبو القسام الأردني، وأبو محمد السوداني، وغيرهم.
عمل الجولاني على تأسيس حكومة تكنوقراط في المناطق التي سيطر عليها، ليخلق نوعًا من الاستقرار المجتمعي في تلك المناطق التي تشبه نظام الحكم الذاتي، وسعى خلال تلك الفترة على رسم صورة الحاكم السياسي وليس القائد العسكري؛ حيث كان حريصًا على التواصل مع وسائل الإعلام الإقليمية والدولية خاصة الإعلام الغربي، مما يؤكد أنه كان يتخذ خطوات عملية جادة نحو الاعتراف الدولي به، خاصة بعد تأسيس حكومة الإنقاذ الوطني، وتقديم نفسه في صورة شخص راغب في ممارسة الحياة السياسية وليس القتال المسلح فقط.
من هنا حرص الجولاني على إبراز مساحات الخلاف بينه وبين تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، ليس عبر بوابة المراجعات المنهجية أو التراجعات الفكرية، ولكن من خلال الشكل والأداء وطريقة الظهور والتعامل الإعلامي وغيرها من التغيرات في المساحة الشكلية الحركية التي تؤكد على قبول مفردات أخرى غير القتال مع بقاء الأصول المنهجية والمنطلقات الفكرية دون تغيير أو مراجعة، ومع بقاء الممارسات العنيفة على الأرض كما هي، حتى أدت في بعض الأحيان إلى خروج مظاهرات شعبية ضد الجولاني تطالب بإسقاطه أو رحيله.
ومن أظهر نقاط الخلاف مع تنظيم القاعدة التي كان يؤكد عليها الجولاني كثيرًا أنه حركة جهادية محلية تهدف إلى التحرر من نظام الأسد وتحكيم الشريعة داخل سوريا، وليس له أي علاقة بتحقيق أهداف أخرى في أي بلد آخر؛ إضافة إلى اعتماد بعض السلوكيات المغايرة للتنظيمات المسلحة التقليدية، منها: أنه أوقف قضية التعدي على عمل المنظمات الإنسانية والسماح لها بالعمل، كما أنه أظهر قدرة على عقد تفاهمات ومواءمات دولية، منها: أنه أوقف الهجمات على قاعدة "حميميم" الروسية، ومنع شن الهجمات عليها.
كذلك من المشاهدات الملموسة في أثناء إدارة إدلب أنه قدم الجوانب المجتمعية المعيشية على الأمور الشرعية؛ مثل: تأسيس المرافق والأبنية، وسد الاحتياجات الاقتصادية، وتأسيس حكومة تكنوقراط، مع محاولة إقامة علاقات جيدة مع السكان المحليين بهدف تدعيم بقاء الهيئة في المحافظة، كما حرص على تقليل وجود المقاتلين الأجانب بين صفوف الهيئة حتى يكون مقاتلو الهيئة أكثر قبولًا لدى الشعب السوري، حتى إنه بدأ يصف داعش بأنهم مجموعات مزعزعة لاستقرار البلاد.
العلاقة بين تركيا وهيئة تحرير الشام:
تقع مدينة إدلب التي يسيطر عليها الجولاني في قلب الشمال السوري، وقدَّر الله أن يكون لهذه المدينة أهمية إستراتيجية كبرى؛ لأنها تقع على مقربة من طريق حلب دمشق الدولي، وتجاور مدينة اللاذقية معقل الطائفة العلوية، كما أنها تحاذي تركيا التي تدعم الفصائل المسلحة في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية الكردية (قسد)، وقد أحكم الجولاني قبضته على مساحة كبيرة من إدلب وعين لها حكومة تكنوقراط تحت اسم: حكومة الإنقاذ، وقد وضعت حكومة الإنقاذ يدها على النفط في هذه المنطقة، وتبلغ عائداتها منه حوالي مليون دولار شهريًّا، تتمكن من خلالها من تسيير الأعمال الحكومية في إدلب.
وقد نجحت حكومة الإنقاذ في التواصل مع تركيا، وتوصلت عبر مفاوضات ومباحثات إلى أن تدير الهيئة حماية نقاط المراقبة الحدودية بين تركيا وسوريا، كما سمحت الهيئة للدوريات التركية بدخول الأراضي التي تسيطر عليها الهيئة، من أجل حماية نقاط المراقبة التركية، وهذه الأوجه من التعاون فتحت الطريق أمام تركيا للتعرف على الجولاني عن قرب، وإقامة علاقات متبادلة معه.
ومع الوقت قامت الهيئة بحماية الأراضي التركية من الهجمات التي كانت تقوم بها بعض الفصائل المسلحة في الشمال، حتى إن الهيئة قامت باعتقال عدد من المسلحين المطلوبين لدى تركيا وسلمتهم للسلطات التركية، كما أن تركيا تمكَّنت بمساعدة الهيئة من القيام بالعمليات اللوجيستية والعسكرية المطلوبة في ظل تنسيق كامل مع رجال الهيئة.
من هنا نشأت العلاقات المصلحية بين الجولاني وتركيا، فالجولاني يسعى لكسب غطاء سياسي من دولة إقليمية كبرى، وفي المقابل: ترغب تركيا في إقامة تفاهمات وعلاقات مع جماعة مسلحة ذات قيادة قوية مسيطرة يمكنها التفاوض معها وتكون لديها القدرة على السيطرة على الأرض، وقد قدم لها الجولاني هذه التوليفة الفريدة.
هذا النجاح الذي أحرزه الجولاني مع تركيا فتح شهيته إلى تقديم نفسه أمام الغرب على أنه رجل دولة متفاهم، يدرك موازين القوى، وحدود اللعبة، وقادر وراغب في الانخراط في عملية سياسية موسعة، وقد نجح الجولاني في ذلك إلى حدٍّ بعيد، حتى وصف جيمس جيفري المبعوث الأمريكي السابق في سوريا الهيئة بقوله: "أنها الخيار الأقل سوءًا من بين الخيارات المختلفة بشأن إدلب".
