مصر أمام حصار يفرض علينا اليقظة والحذر وصدق التوجُّه إلى الله (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وعليه فيعد اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلية الحالي لمحور فيلادلفيا ودخول الفرقة 162 بالكامل للمحور بعد إعادة احتلال قطاع غزة دون اللجوء للآلية النشطة واللجنة الثنائية ودون موافقة من الجانب المصري يعد ذلك مخالفة وانتهاكًا من إسرائيل لاتفاقية السلام المبرمة مع مصر. ولا شك أن قطاع غزة خاصة جنوبه يعد من غلاف الأمن المصري، وتأمين تلك المنطقة وهذه البوابة يعد في غاية الأهمية.
ويزيد الأمر أهمية: أن هذه المنطقة كانت في الفترة الأخيرة منفذًا لدخول إرهابيين إلى مصر والقيام بعمليات إرهابية؛ إضافة على ذلك فإن قرابة 30 % من سكان غزة هم من جذور مصرية أو لهم امتدادات مصرية.
وعلاقة مصر مع غزة علاقة تاريخية، فمن جهة غزة كان دخول الغزاة مصر قديمًا؛ لذا فتأمين جهتها وجعلها حصنًا منيعًا من الأهمية بمكان؛ لذا يجب النظر إلى ما تقوم به إسرائيل من أعمال البلطجة في قطاع غزة بعين الاعتبار، وينبغي الانزعاج والقلق البالغ مما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي خاصة في محور فيلادلفيا.
إن أطماع إسرائيل في إقامة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل ما زالت أحلامًا تراود أذهان الحاخامات اليهود، واليمين المتطرف في إسرائيل، وكذلك أحلام مَن يدور في فلكهم من مستوطنين إسرائيليين احتلوا سيناء مدة قبل الانسحاب الإسرائيلي منها، ومعهم العديد من الأكاديميين والعديد من الوزراء والمسئولين في حكومة (نتن ياهو) أيضًا يجهرون بذلك؛ فمصر عندهم هي جزء من دولة إسرائيل الكبرى (أراضي يهودية)، ومن ورائهم ملايين من أتباع المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة، يقولون هذا؛ رغم اتفاقية السلام مع مصر.
وقد شوهد في حرب غزة الأخيرة جنود إسرائيليون يضعون علنًا على بدلهم العسكرية صورة لخارطة إسرائيل الكبرى ممتدة من الفرات بالعراق إلى النيل في مصر، بل إن هناك مجموعات إسرائيلية ترفع شعار إعادة احتلال سيناء مرة أخرى، وترى مظاهر هذا على أرض الواقع من خلال بيع (تي شيرتات) مرسوم عليها خريطة شبه جزيرة سيناء، مطالبة بالعودة إلى سيناء واحتلالها، إشارة إلى وجود مخطط خفي تتمنى دولة الاحتلال تحقيقه يقوم على التمدد والتوسع عند القدرة على ذلك بأي ذريعة أو تبرير (راجع في ذلك: غزة تحترق.. العدو يعبث في الممر، من ملف مصر في خطر - جريدة فيتو - عدد 23 يوليو 2024، ص 4) .
2- البحر الأحمر لم يعد بحرًا عربيًّا:
تطل العديد من الدول العربية على البحر الأحمر، بما يجعله بحرًا عربيًّا، ومن هذه الدول: مصر، والمملكة العربية السعودية، واليمن، والسودان، وأريتريا، كما أنها تتحكم في مدخل البحر الأحمر من خلال باب المندب، وتتحكم في قناة السويس الممر الموصل بينه وبين البحر الأبيض، وترتاد البحر الأحمر ذهابًا وعودة أعداد كبيرة من السفن التجارية العملاقة في رحلاتها التي لا تنقطع من الشرق إلى الغرب والعكس؛ لذا تعد قناة السويس مصدرًا رئيسيًّا دائمًا لحصول مصر على العملات الصعبة من خلال تحصيل رسوم مرور من السفن العابرة لقناة السويس ومن الخدمات المقدمة لها.
وقد دشنت مصر قناة السويس الجديدة وعملت على تطوير المنطقة اللوجيستية للقناة، وقامت وتقوم بإصلاحات لتحسين وتوسيع خدمات المرور في قناة السويس؛ كما سلكت مصر اتجاهًا تعاونيًّا تنمويًّا مع دول البحر الأحمر للتكثيف من الأنشطة الاقتصادية التكاملية معها في أكثر من مجال، كما أنشأت قاعدة بحرية جديدة في أقصى حدودها الجنوبية الشرقية، وزودت قواتها البحرية حديثًا بعدة غواصات وحاملات الطائرات حماية لأمنها القومي، وتأمينًا لسواحلها على البحر الأحمر، وللحفاظ على استمرارية الأنشطة السياحية فيها، حيث إن هناك مدن مصرية في جنوب سيناء وعلى البحر الأحمر، صارت محط أنظار ووجهة السائحين من كل أنحاء العالم.
ومنذ عقود ظهرت تهديدات خطيرة جنوب البحر الأحمر، متمثلة في: أعمال القرصنة البحرية المرتبطة بأحداث جرت وتجري في الصومال، والتي جعلت تلك المنطقة بؤرة اهتمام للدول الغربية، وزيادة التواجد فيها لتأمين الملاحة وسفنها في تلك المنطقة الحيوية.
ثم جاء العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة في أعقاب عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، ثم تلاه التصعيد العسكري في المنطقة، وتدخل جماعة الحوثي في اليمن لمناصرة ومساندة شعب غزة والمقاومة الفلسطينية من خلال منع السفن الإسرائيلية والسفن المتعاونة معها من دخول البحر الأحمر، ومن خلال إطلاق صواريخ باليستية على بعض الأهداف في إسرائيل، وقد قابلت الولايات المتحدة والدول الغربية ذلك بالوقوف إلى جانب إسرائيل وتكوين تحالف بحري دولي في المنطقة في مواجهة الحصار البحري الحوثي، ومع مهاجمة الولايات المتحدة وبريطانيا لمواقع ولمراكز تابعة للحوثيين في اليمن قام الحوثيون بضم السفن الأمريكية والبريطانية إلى السفن الممنوعة بالقوة من المرور في باب المندب ومهاجمة البعض منها، وأثر ذلك الصراع البحري والتصعيد المتبادل بين الطرفين على الملاحة في المنطقة، وترتب على ذلك قيام شركات ملاحة عالمية باستخدام طريق رأس الرجاء الصالح رغم أنه أطول وأبطأ وأكثر تكلفة، مما أثر سلبًا على الملاحة العالمية في المنطقة، وعلى مرور السفن عبر قناة السويس، فتراجع إيراد قناة السويس وانخفض بنحو الربع (تراجع العائدات بنسبة 23.4 %)، كما أثَّر ذلك على السياحة في ظل عدم استقرار المنطقة. وقد أعلن ميناء إيلات إفلاسه رسميًّا في ظل الحصار الحوثي، وأصبح توقف هذا التصعيد العسكري في باب المندب مرهون بتوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وإدخال المساعدات الإنسانية المطلوبة إلى القطاع طبقًا لمطالب الحوثيين.
