مصر أمام حصار يفرض علينا اليقظة والحذر وصدق التوجُّه إلى الله (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
كما جَعَل الموقع الجغرافي لمصر مميزات إستراتيجية كثيرة؛ فإنه أيضًا عَرَّضها لأخطار كثيرة؛ فنظرًا لكونها في قلب العالم العربي حيث تقع مصر في المنطقة الواصلة بين جناح العالم العربي الأسيوي وجناح العالم العربي الإفريقي، إلى جانب إطلال مصر على البحرين: الأبيض والأحمر، وامتلاكها لقناة السويس الموصلة بينهما؛ كل هذا جعل لمصر مكانة كبيرة.
وقد قام الاستعمار الغربي متعمدًا بغرس إسرائيل -بتوجهها الاستعماري التوسعي العنصري الاستيطاني في فلسطين- في قلب العالم العربي، وفي المنطقة الملاصقة لقناة السويس؛ لتتولى أمر التهديد الدائم للمنطقة العربية.
وقد شهدت مصر في العقد الأخير أخطارًا عديدة أحاطت بها من كلِّ جوانبها، وصارت تهدد أمنها واستقرارها تهديدًا لم تعهد مثله من قبل؛ إذ يعد كل خطر منها من جانبه خطرًا مستطيرًا إن لم يتم التعامل معه بنوع اليقظة والحيطة، والوعي التام بكامل أموره، والحذر التام منه وحسن معالجته قبل الوقوع فيما لا يحمد عقباه.
وهذه نبذة مختصرة عن أهم هذه الأخطار المحدقة بمصر:
1- إسرائيل تلعب بالنار على البوابة المصرية:
منذ عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، ويمارس الجيش الإسرائيلي صورًا عديدة من التمادي في البلطجة العسكرية في قطاع غزة عند حدود غزة مع مصر، وبصورة لا مثيل لها، لتحقيق أهدافها غير المعلنة، وإن صارت لا تخفى على مَن يعلم بواطن الأمور ويتتبع مخططات إسرائيل لابتلاع القدس والضفة الغربية وتهجير شعب غزة قسرًا أو طوعًا إلى سيناء، أي: إقامة وطن بديل للفلسطينيين في سيناء، وهو مخطط قديم يعاد الحديث عنه من وقت لآخر، وعبر عقود مضت كان السعي لتنفيذه، بالقوة تارة، وبالإغراء والمساومة تارة، وفي كل مرة تفشل المحاولة التي ترمي إلى تصفية القضية الفلسطينية على حساب مصر والدول العربية، وتفشل المحاولات أمام إصرار شعب غزة على المقاومة والتمسك بأرضه ودياره مهما كان الثمن.
لقد دفع جيش الاحتلال الإسرائيلي الفلسطينيين في قطاع غزة دفعًا نحو جنوب القطاع حيث حدود القطاع مع سيناء المصرية، وواصل إطلاق النار عليهم بلا هوادة جوًّا وبرًّا وبحرًا، وقطع كل الإمدادات عن القطاع من طعام وماء وكهرباء ووقود، وكل المساعدات الطبية والإنسانية، ودمر البنية التحتية للقطاع وكل مظاهر الحياة المدنية فيه تدميرًا شبه كامل، كي تستحيل معه استمرار الحياة فيه، وأغلق كل المعابر والمنافذ المؤدية إلى القطاع في حصار كامل لا فرصة معه إلا بالنزوح قسرًا أو طوعًا إلى سيناء.
إن إسرائيل لكسب تعاطف الرأي العام العالمي وإعطاء الشرعية لعدوانها الهمجي على قطاع غزة، وكي تبرر لنفسها جرائم الحرب التي ترتكبها وأعمال الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، تعلن أنها تريد تفكيك البنية التحتية العسكرية لحركة المقاومة الفلسطينية حماس، وأنها تريد تحرير أسراها ومحتجزيها لدى المقاومة الفلسطينية، وهذه أهداف من الصعب تحقيقها بقوة السلاح، بل هي تعرِّض هؤلاء الأسرى والمحتجزين للقتل خلال عملياتها وهجماتها العسكرية على القطاع.
وتؤكد الشواهد: أن إسرائيل لديها أهداف أخرى تتضمن تدمير قطاع غزة، وجعله غير صالح للسكن والمعيشة، إلى جانب استخدام سلاح التجويع والتعطيش ضد الفلسطينيين بمنع وصول الطعام والشراب لهم، وعليه يتم مخطط تهجير الفلسطينيين على مراحل، مرحلة بعد مرحلة، من شمال ووسط غزة إلى جنوبها، ثم إلى حيث حدود مصر مع غزة، بحيث لا يكون أمام الفلسطينيين إلا دخول سيناء من خلال خطة تهجير مثلما حاولوا ذلك من قبل في عام 2008، ولكن في هذه المرة جد جديد يتمثَّل في إصرار القوات الإسرائيلية الشديد على دخول محور (فيلادلفيا) على الحدود بين مصر وجنوب قطاع غزة، والذي باحتلاله تستحيل الحياة لسكان قطاع غزة، وعندئذٍ فلو تم قصف أو تفجير سور معبر رفح الفاصل بين مصر وغزة لتمكن الغزاويون من اجتياح المعبر نجاة بأرواحهم، ليتم تفريغ قطاع غزة من سكانه، والاستيلاء واستغلال حقل (غاز غزة مارينا) الذي تم اكتشافه في المنطقة مؤخرًا.
وينبغي وضع ذلك في الاعتبار بجدية خاصة، وقد رأينا (نتن ياهو) في العام الماضي في الأمم المتحدة يصرح بأطماع إسرائيل في المنطقة من خلال عرض خريطة مرسوم عليها بالخط الأحمر خط يصل بين ميناء إيلات والبحر الأبيض يمر عبر قطاع غزة.
وكانت القاهرة قد قررت وضع بروتوكول أمني عسكري عند توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، وهو ما أعلن عنه في عام 1982 باسم: (بروتوكول محور فيلادلفيا)، الذي تم فيه الاتفاق على تقسيم سيناء إلى ثلاثة قطاعات: (أ) و(ب) و(ج)، لكل قطاع منها شروط وقواعد، فقطاع (أ) تتواجد فيه قوات من الجيش المصري بعدد معين ومواصفات سلاح معينة وكتائب ومدرعات محددة، وأما القطاع (ب) فتكون القوات المصرية فيه أقل من حيث العدد ونوعية السلاح والكتائب، وفي المنطقة (ج) فلا وجود للجيش فيها، ولكن قوات للشرطة وبعض أفراد من حرس الحدود.
أما منطقة محور فيلادلفيا (أو المنطقة د)، والتي تقع داخل غزة على الشريط الحدودي -وكانت غزة وقتها تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي- فتم الاتفاق على منع وجود قوات إسرائيلية أو أي أسلحة ثقيلة أو دبابات فيها، إلا قوات مشاه فقط بحدِّ أقصى 4 كتائب مشاه، ولكن بعد قيام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة عسكريًّا بالكامل عام 2005 أصبح محور فيلادلفيا على أرض الواقع منطقة عازلة خالية من أي تواجد عسكري إسرائيلي.
وكان في الاتفاقية ما عرف باسم اتفاقية (الآلية النشطة)، وتتعلق هذه الجزئية بفرض وقوع حادث معين طارئ يستلزم زيادة عدد القوات الموجودة أو زيادة تسليحها في المناطق المذكورة (أ) أو (ب) أو (ج) أو(د) فلا يكون ذلك إلا بعد إخطار الطرف الآخر وتنفيذ لجنة ثنائية وطرح المتطلبات الخاصة بالأمور المستحدثة التي طرأت ومناقشتها للسماح بزيادة عدد القوات أو زيادة تسليحها.
