شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الفرق بين حقوق الله وحقوق العباد مقارنًا بجرائم البلاغ والشكوى في النُّظُم القانونية المعاصرة مع تطبيقه على قضية الزنا

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ومع هذا، فلا يكاد يوجد تحرك حقيقي لتنقية القانون مما يخالف الشريعة إلا عرضًا عند تعديل قانون، فتجد البرلمانات ملتزمة بأن يكون القانون موافقًا للشريعة لكي يكون دستوريًّا.

المهم أن معيار القابلية للتصالح وإن كانت القوانين المعاصرة قد سارت فيها على خطى الشريعة إلا أن التفاصيل في القانون الوضعي وضعها البشرُ المشرِّعون من دون الله، ومِن ثَمَّ فقد حدث ما أخبر الله به: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (النساء: 82).

وغالبا ما يستعمل في الكلام القانوني مصطلح "جريمة شخصية" في مقابل "جريمة في حق المجتمع".

ثالثًا: دور النيابة العامة:

النيابة العامة جهة قضائية مهمتها إقامة الدعوى العامة ومباشرة إجراءاتها أمام الجهات والمحاكم المختصة بذلك، وتنتهي مهمتها، بالنسبة للدعوى العامة، بصدور حكم بات فيها من المحاكم؛ سواء بالإدانة أو بالبراءة.

ومن المعلوم أن القانون المدني قانون خاص ينظم العلاقة بين أطراف العمليات المدنية، وبالتالي عند وجود خلاف، فأحدهما هو من يرفع دعوى على خصمه إلى المحكمة المختصة، بينما قانون العقوبات قانون عام يعبر عن التزام الدولة واحتكارها لحق إيقاع العقوبة على المخالفين للقانون، وبالتالي فلا بد من وجود جهة ما في الدولة تكون هي المسؤولة عن رفع الدعوى أمام القضاء، حتى في الوقائع التي فيها اعتداء على آخرين؛ مثل: السرقة، والاغتصاب، ونحوها، وهذه الجهة هي النيابة العامة. فهي من تملك المراحل الثلاثة التي تمر بها الدعوى:

الأولى: تحريك الدعوى أو مباشرة التحقيقات الأولية مع المتهمين.

الثانية: رفع الدعوى إلى المحكمة المختصة في حالة أنها رأت وجود أركان جريمة، ومِن ثَمَّ فهي تطالب المحكمة باتخاذ اللازم تجاه المتهم.

الثالثة: مباشرة الدعوى، وهو: الحضور كخصم للمتهم في جلسات المحاكمة.

ويمكن للمجني عليه أن ينضم في جانب النيابة ضد المتهم لكي يتسنى له المطالبة بالتعويضات المناسبة أمام القضاء المدني في حالة إدانة المتهم أمام محكمة الجنايات؛ كما أن ضباط الشرطة وغيرهم ممَّن لهم حق الضبطية القضائية يكون توصيفهم بمجرد تسليم المتهم إلى النيابة وحتى انقضاء الدعوى، أنهم شهود على الواقعة، وبالتالي تأخذ النيابة أقوالهم وتناقشهم فيها بهذا الاعتبار، وكذلك أمام القضاء.

رابعًا: طرق معرفة النيابة العامة بوجود محل للتهمة بجريمة ما:

لم يقصر القانون طريقة معرفة النيابة بوجود محل للتهمة على وسيلة واحدة، فبأي وسيلة انتهى علم النيابة إلى وجود مظنة للجريمة يمكنها تحريك الدعوى بالأمر باستدعاء المتهمين ومباشرة التحقيق معهم، ونحو ذلك، كما تقدَّم من المراحل الثلاثة لدور النيابة في الدعوى (التحريك - الرفع - المباشرة).

وقد ذكر القانون من جملة الوسائل (البلاغ إلى النيابة العامة من المواطنين).

وكانت هناك وسيلة أخرى في القانون تسمى الحسبة، وهي حق رفع الدعوى إلى القضاء من غير ذي صفة، أخذًا من المبدأ الشرعي بمشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد واصلت الجمعيات الحقوقية التي تنطلق من أسس عالمانية ضغوطها حتى تم إلغاء مبدأ الحسبة من القوانين، ومع هذا قلنا أن البلاغ إلى النيابة العامة يقوم مقامه. صحيح أنه لم يجعل أن من حق المحتسب أن يرفع الدعوى إلى القضاء، وإنما إلى النيابة باعتبارها جهة تحقيق، وهي يمكنها أن تحرك الدعوى أو لا.

خامسًا: (جرائم البلاغ - جرائم الشكوى - جرائم الطلب - جرائم الإذن):

بعد أن رسم القانون طريقًا وحيدًا يمكن من خلاله أن يقوم المواطنون بمساعدة النيابة في التصدي للخارجين عن القانون "وهو البلاغ"؛ عاد فوضع القانون قيدًا على النيابة العامة ذاتها في التعامل مع بعض الجرائم، وبالتالي صارت الجرائم الأخرى التي لا تغل فيها يد النيابة تسمَّى: جرائم بلاغ، وفيها يمكن للنيابة العامة أن تحرِّك الدعوى بناءً على علمها بأي وسيلة أو بناءً على بلاغ من مواطن، ولا يشترط أن يكون ذا صفة، أو يكون متضررًا ضررًا مباشرًا من الجريمة.

وهي بالاصطلاح الآخر: الجرائم التي اعتبر فيها القانون أن حق المجتمع فيها أظهر من حقِّ المجني عليه.

وأما الجرائم التي رأى واضعو القانون أنها جرائم شخصية، فلم يعطوا النيابة العامة الحق في التعامل مع الدعوى (تحريكًا ولا رفعًا، ولا مباشرة من باب أولى)؛ إلا إذا قُدِّمت لهم شكوى من ذي صفة، فإذا كانت الجريمة في حق شخص عادي؛ فقد اصطلح القانون على تسمية ما يقدمه للنيابة العامة: شكوى، وسميت هذه الجرائم: بجرائم الشكوى.

وإن كانت الجريمة في حق شخصية اعتبارية؛ فقد اصطلح القانون على تسمية ما تقدمه هذه الجهة: بالطلب، وسميت هذه الجرائم: بجرائم الطلب.

وبالتالي تنقسم الجرائم في القانون إلى ثلاثة أنواع:

- جرائم البلاغ: وهي الجرائم التي يرى واضعو القانون أنها جرائم في حقِّ المجتمع.

- جرائم الشكوى: وهي الجرائم التي يرى واضعو القانون أنها جرائم في حقِّ شخصية عادية.

- جرائم الطلب: وهي الجرائم التي يرى واضعو القانون أنها جرائم في حقِّ شخصية اعتبارية.

وكلٌّ من هذه الأنواع الثلاثة، لو كان المشكو في حقه يتمتع بحصانة، فلا تملك النيابة أيضًا تحريك الدعوى، ولا رفعها ولا مباشرتها إلا بعد الحصول على إذنٍ من الجهة التي يشترطها القانون لكلِّ نوع من أنواع الحصانة.

وبهذا يتضح أن واضعي القوانين الوضعية قد فرقوا بين الجرائم التي في حق المجتمع والجرائم التي في حق الأشخاص، وأنهم ساروا فيها من حيث الأصل على ما قرَّره الفقهاء، ولكن الآفة الكبرى تظهر في ثنايا تشريعاتهم، والتي ذهبوا في بعضها إلى ما يخالف الشريعة والفطرة، ولعل من أبرزها: قضية اعتبار المعاشرة الجنسية مباحة الأصل ولا تُمنع إلا لسبب إضافي يدور معه المنع وجودًا وعدمًا، ومن ذلك: حالة الخيانة الزوجية التي يقْصِر القانون الفرنسي الصادر سنة 1883 مصطلح "الزنا" عليها قبل أن ينتهي به الحال في عام 1975 إلى أن يحذف حتى هذه الحالة "حالة الخيانة الزوجية" من القانون.

الزنا بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي:

أولًا: العلاقات الجنسية بين الشريعة الإلهية والقوانين الوضعية:

الصفحة السابقة الصفحة التالية