شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الفرق بين حقوق الله وحقوق العباد مقارنًا بجرائم البلاغ والشكوى في النُّظُم القانونية المعاصرة مع تطبيقه على قضية الزنا

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

من أكثر موارد اللبس في هذه القضية أننا عندما نتحدث عن الزنا بين الشريعة الإلهية والقوانين الوضعية "وبالأخص القانون الفرنسي"؛ الذي أصبح هو المصدر الرئيسي للقوانين المعاصرة حتى في بلاد المسلمين -للأسف الشديد-؛ أقول من أكثر مواطن اللبس: هو الظن بأننا نتحدث عن دلالة متطابقة أو متقاربة لكلمة الزنا، ولكن الواقع أن الأمر ليس كذلك.

فإذا رجعنا إلى الخلف خطوة؛ سنكتشف البون الشاسع بين شريعة رب العالمين وحثالة أفكار الفرنسيين، وذلك بطرح سؤال حول حكم العلاقة الجنسية في الإسلام وفي القانون الفرنسي، وسنجد الإجابة هي: أن الإسلام قد منع العلاقة الجنسية، بل منع الوسائل التي يمكن أن يجعلها تطرأ على الذهن أصلًا، إلا من خلال عقد زواج، أو ما يشابهه من ملك اليمين؛ كما قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) (المؤمنون: 5-7) .

ومن ثَمَّ فالزنا هو وجود تلك العلاقة بغير هذا الميثاق الغليظ، الذي يجعلها مباحة بعد ما كانت ممنوعة، هي وحزمة كبيرة من الأمور التي ما منعت إلا لكونها مظنة تهييج تلك الرغبة، في حين سنجد أن العلاقة الجنسية في الفلسفة الغربية هي متعة ولذة يسعون إلى الحصول عليها وتوسيع نطاقها، ولا يحتملون الاقتراب منها بالضبط أو التقييد.

وفي فلسفة اللذة عند المدارس العالمانية والليبرالية، والتي ينطلق منها القانون الفرنسي؛ فإن العلاقة الجنسية مباحة لا تحرَّم إلا لمعنى يتعارض مع الليبرالية، وهذه المعاني هي: الإكراه، وهنا يكون المصطلح الذي تسمَّى به هذه الجريمة هو: "الاغتصاب".

مواقعة قاصر: وهذه أيضًا لا تسمى -عندهم- زنا؛ بل تسمى بهذا الاسم: العلاقة الجنسية مقابل أجر، وهذه تجرمها بعض القوانين الأوروبية، ويبيحها البعض الآخر، وهذه تسمى: "دعارة".

الإتيان بأفعال جنسية في موقع غير ملائم: وهي أمور تتفاوت من قانون إلى آخر، والجريمة هنا ليست العلاقة الجنسية، وإنما في هذه الأوصاف الإضافية؛ يعني لو فعل اثنان متزوجان هذه الأمور فسوف يعاقبان بنفس ما يعاقب به غير المتزوجين.

وأخيرًا: فإنهم اعتبروا أن زنا أحد المتزوجين دون عِلْم الآخر جريمة في حقِّ هذا الطرف الآخر، وأن هذه الجريمة تسقط متى كان الطرف الثاني يقع في ذات الجريمة! وهنا ولأن الزواج بقيت له ظلال دينية، فمعظم الناس يعقدونه في الكنيسة، ولأن مصطلح "الزنا" أيضًا مصطلح له ظلال دينية؛ فقد تفتق ذهنهم عن أن يسموا تلك الجريمة: بالزنا، ومن هنا فمصطلحي: الزنا، والخيانة الزوجية مصطلحان مترادفان، وكلاهما جريمة، وهي حالة خاصة جدًّا من جريمة الزنا في الشريعة الإسلامية، بل وفي كتب أهل الكتاب الموجودة حتى الآن، ولقد جاء في الموسوعة الكبيرة الفرنسية "مورداس BORDAS أن الزنا هو علاقة، وهو زنا يرتكبه شخص متزوج مع شخص متزوج".

وكفرع على هذا التعريف؛ فالنتيجة الطبيعية أن يعتبر القانون الفرنسي الزنا (الخيانة الزوجية) جريمة خاصة، بل ويجعل وقوع كلٍّ من الطرفين فيها هو نوع من الإسقاط المتبادل لحقِّ كلٍّ منهما، بل وتنص كثير من شروح القانون الفرنسي على أن الغرض من جعل الزنا (الذي لا يعني عندهم إلا الخيانة الزوجية) جريمة؛ هو: أنهم يريدون أن يرتبوا عليها حق الطلاق، ولولا هذا لما عدوه جريمة أصلًا! ولعدوه من العادات التي توصف بعدم اللياقة، ولكنها لا ترقى إلى أن تدرج في القانون، كعلو الصوت مثلًا!

وقد انتهى القانون الفرنسي في نهاية المطاف في تعديلات سنة 1975 إلى عدم اعتبار الزنا (الذي هو عندهم الخيانة الزوجية) جريمة، وقالوا: إننا لن نقحم القانون في مادة غير ملائمة قانونًا لمجرد توفير الشروط اللازمة لإجراء كنسي، الذي هو الطلاق.

ثانيًا: الاحتلال الإنجليزي يكرهنا على تطبيق القانون الفرنسي، وإلى الآن لم نتخلص من بقايا ذلك، وإن تمت تحسينات طفيفة:

أخذ القانون المصري أحكام الزنا من قانون العقوبات الفرنسي الصادر سنة 1883م، وقد كانت المادة 239 من القانون المصري الصادر سنة 1883م، والمعدَّل بالقانون الصادر سنة 1904 لا تعاقب الزوج إلا إذا زنا أكثر من مرة بمنزل الزوجية بامرأة يكون قد أعدَّها لهذا، ثم عُدِّل هذا النص في سنة 1937م ، إلى النص المبين في المادة 277 من قانون العقوبات والذي ينص على عقاب كل زوج زنا في منزل الزوجية وثبت عليه الأمر بدعوى الزوجة!

وهنا نجد أن القانون يحدِّثنا عن زنا الرجل المتزوج وزنا المرأة المتزوجة؛ فتتوهم أن هناك زنا لغير المتزوجين، ولكن ستجد أن القانون قد سكت عنه!

ومن المعلوم: أن القوانين تفسَّر على ضوء القاعدة التي أدرجت تقريبًا في كلِّ القوانين المعاصرة "لا جريمة ولا عقاب إلا بنص"، ومِن ثَمَّ فالمسكوت عنه في القانون الجنائي يعني عدم المؤاخذة.

نعم سنجد المحاولات المرتعشة للتخلص من الجذر الفرنسي للقانون؛ كان أولها هو تلك الإشارة إلى أن الزنا قد يكون أعم من زنا المتزوجين، ولكن المحصلة في النهاية أنه لا عقوبة على الزنا إلا في حالة زنا المتزوجين، وأما كل الحالات الأخرى فالمُجرَّم فيها شيء آخر: الإكراه أو التغرير أو احتراف البغاء، ونحو ذلك.

أيضًا كانت المادة لا تعاقب إلا بتكرار الواقعة، وتم تعديل هذا في قانون 1937، وهذه القوانين استهدفت، ومنذ التعديل الذي تم سنة 1937 بعدة تعديلات تقرِّب الأمر من الفطر السوية شيئًا ما، وإلا فإن كل انحراف عن الشريعة يعني انحرافًا عن الفطرة أيضًا.

ومن ذلك: اقتراح بجعل جريمة الزنا جريمة في حق أقارب الدرجة الأولى كلهم.

ومنها: اقتراح ذكره الدكتور محمد بهاء أبو شقة -رئيس اللجنة التشريعية في مجلس الشعب- والذي طالب بحذف حق الزوج في إيقاف عقوبة زوجته الزانية، كما نقلته عنه جريدة اليوم السابع في تحقيق نشر في تاريخ 4 يناير 2020م.

الصفحة السابقة