الفرق بين حقوق الله وحقوق العباد مقارنًا بجرائم البلاغ والشكوى في النُّظُم القانونية المعاصرة مع تطبيقه على قضية الزنا
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أولًا: الفرق بين حقوق الله وحقوق العباد في الشريعة:
صَحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) (متفق عليه) ، والعبادة هي الطاعة؛ فحقُّ الله على العباد أن يطيعوه -سبحانه وتعالى-، وهو -عزَّ وجلَّ- وحده الذي له الطاعة المطلقة، وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أيضًا مطلقة، ولكن باعتباره مبلِّغًا عن ربِّه -عز وجل- معصومًا في بلاغه، كما قال -تعالى-: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم: 3، 4) .
ومن هنا أيضًا قال -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَ?لِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام: 162، 163) ، وبهذا الاعتبار، فإن امتثال كل الأوامر الشرعية هو من حق الله -عز وجل- على عباده.
وحتى إن تعلَّق أمر الله ونهيه بحق للعباد، فهو حق لله باعتبار أنه الآمر به، وحق للعبد باعتبار أن الله قد رتَّب له هذا الحق؛ فبرُّ الوالدين حق لله من جهة الأمر به، وحق للوالدين من جهة أنهما يستحقانه.
وهذه الحقوق التي للعباد، إن أعطاهم الله حق إسقاطها صارت من هذه الحيثية وكأنها حقوق خالصة لهم؛ كنفقة الزوجة على الزوج إن أسقطتها عنه وأنفقت من مالها، وكالدائن إذا أسقط السداد عن المدين.
وأما الحقوق التي للعباد والتي لم يُعطهم الله حق إسقاطها، فهي باقية على الأصل من اعتبارها حقًّا لله، فالمرأة المتبرِّجة قد تساهلت في حقِّ نفسها، ولكن هذا لا يُسقط حقها في وجوب غضِّ البصر عنها، لا سيما أن هذا الحق يخص كل ذويها، كما أنه تكليف شرعي على العبد في حدِّ ذاته.
ومن باب أولى: الزنا لا يُسقطه أن يكون بالتراضي، بل يبقى جريمة في حقِّ الله وارتكابًا لكبيرة من أكبر الكبائر؛ قال الله -تعالى- فيها: ( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ) (الإسراء: 32)، ويتضاعف إثمه لو كان اغتصابًا -والعياذ بالله-.
وقد اهتمَّ العلماء المعنيون بالقواعد والفروق الفقهية بهذا الأمر لشِدَّة حاجة القضاة إليه في الفصل بين الناس؛ قال الإمام القرافي -رحمه الله- في كتابه: "الفروق": "(الفرق الثاني والعشرون بين قاعدة حقوق الله -تعالى- وقاعدة حقوق الآدميين): فحق الله: أمره ونهيه، وحق العبد: مصالحه. والتكاليف على ثلاثة أقسام: حق الله تعالى فقط: كالإيمان، وتحريم الكفر، وحق العباد فقط: كالديون والأثمان، وقسم اختلف فيه: هل يغلَّب فيه حق الله أو حق العبد؛ كحد القذف. ونعني بحق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حقٍّ للعبد إلا وفيه حق لله -تعالى-، وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه. فيوجد حق الله -تعالى- دون حق العبد، ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله -تعالى-. وإنما يُعرف ذلك بصحة الإسقاط، فكل ما للعبد إسقاطه فهو الذي نعني به حق العبد، وكل ما ليس له إسقاطه فهو الذي نعني بأنه حق الله -تعالى-. وقد يوجد حق الله -تعالى-، وهو ما ليس للعبد إسقاطه ويكون معه حق العبد، كتحريمه -تعالى- لعقود الربا والغرر والجهالات".
ثم قال: "كذلك تحريمه -تعالى- المسكرات صونًا لمصلحة عقل العبد عليه، وحرم السرقة صونًا لماله، والزنا صونًا لنسبه، والقذف صونًا لعرضه، والقتل والجرح صونًا لمهجته وأعضائه ومنافعها عليه. ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يُعتبر رضاه ولم ينفذ إسقاطه".
ثانيًا: القابلية للصلح في قانون الإجراءات الجنائية المصري:
قانون العقوبات يصف الجرائم ويُبيِّن العقوبة المقرَّرة لكلٍّ منها، ويُبيِّن أيضًا في بعض مواده مدى قابلية الجريمة للصلح أو التنازل بين المدَّعي والمدَّعى عليه؛ إلا أن هذا الموضوع الأخير، وهو مدى القابلية للصلح، يُذكر بشكل أكثر تفصيلًا في قانون الإجراءات الجنائية، وهو قانون يرسم الإجراءات التي يمكن للمجتمع ككل أن يقيم دعواه على الخارجين على نظامه (قانونِه)، ويرسم هذه الإجراءات من إقامة الدعوى إلى التحقيق فيها إلى إحالتها للقضاء، إلى تنظيم ما يتم في نظر القضية أمام القضاء.
والملاحظ هنا: أن المعيار الذي أخذ به القانون هو عين المعيار الشرعي "القابلية للإسقاط"؛ إلا أن هناك فرقًا جوهريًّا؛ وهو: أن الشريعة جاءت أحكامها مفصَّلة، ومِن استقرائها علمنا ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل، وهو في كلِّ الأحوال حكم لله -عز وجل-، فلا يجوز نقل مسألة ما من هذا القسم إلى ذلك القسم، بينما القوانين الوضعية أعطت البشر حقَّ التشريع من دون الله -والعياذ بالله-، وهذا مستقر في القوانين الأوروبية، وللأسف غزانا ذلك قهرًا مع الاحتلال، أو مع ضغوط ما قبل الاحتلال بإدخال المحاكم "الأجنبية" بقوانينها "الأجنبية" (وهي هنا أجنبية تمامًا عن الأمة وشريعتها ودينها، وقيمها وتقاليدها).
وإلا، فهل يقبل مصري -مسلمًا كان أو غير مسلم- أن تزني ابنته -والعياذ بالله- متى جاوزت الـ 18 عامًا، وألا يملك لها أمام القانون شيئًا على الإطلاق؟
بالطبع، الأصل هو تربية الأبناء على الدِّين ومكارم الأخلاق، لكن نقول: حال حدوث الانحراف -وهو يحصل- هل يوجد مَن يقبل هذا؟
إذًا، من أي مستنقع غزانا هذا القانون، وهو أجنبي عنا بكل ما تحمله كلمة "أجنبي" من معانٍ؟
المهم أن القانون الوضعي في بيئته الأوروبية أو في البيئة التي وفد عليها في بلادنا، وفي ظل لحظة انعدام وزن حضاري، جاءنا كحق تشريع مطلق (وقد تداركت الأمة في بلادنا -مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي- فسارعوا إلى كتابة دساتير تقيد سلطات الدولة الثلاث بمرجعية الشريعة الإسلامية؛ إلا أن قوانين كانت قد أفلتت واعتُذر عن إعمال الأثر الفوري لهذه المواد الدستورية بأن الإبطال الفوري لكل القوانين المخالفة للشريعة من شأنه أن يُحدث فراغًا دستوريًّا وقانونيًّا هائلًا).
