شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المطالبة بجعل الزنا من جرائم البلاغ في قانون الإجراءات الجنائية.. المبررات ومناقشة الاعتراضات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

( ملاحظة مهمة: هذه المقالة شديدة الارتباط بمقالة: " الفرق بين حقوق الله وحقوق العباد مقارنًا بجرائم البلاغ والشكوى في النُّظُم القانونية المعاصرة مع تطبيقه على قضية الزنا "، فننصح بقراءتها أولًا).

مقدمات ضرورية لفهم القضية:

1- كل التكاليف الشرعية يجب على العباد الامتثال لها، وبالتالي فكلها من حق الله على عباده؛ رغم أن كثيرًا منها يتعلق بحقوق فرضها الله للعباد كحق الوالدين؛ إلا أن بعض حقوق العباد قد أَذِن الله لأصحابها في إسقاطها، وتلك التي اصطلح العلماء على تسميتها بحقوق العباد.

2- القوانين الوضعية تعتبِر باب المحاذير أو الجنايات كله حقًّا للمجتمع من حيث الأصل، حتى ما كان منه متعلقًا بحق الغير؛ كالمنع من السرقة، والاغتصاب. والقوانين الوضعية أيضًا تراعي أمر "القابلية للإسقاط" فتجعل ما يقبل الإسقاط حقًّا شخصيًّا.

3- ورغم هذا التشابه الظاهري بين الشريعة الإلهية والقوانين الوضعية؛ إلا أن البون شاسع؛ فالله الذي اختار لنا الحقوق التي لا قابلية لإسقاطها، وتلك التي يمكن إسقاطها، والعلماء استقرأوا هذا وعبَّروا عنه، في حين تتبع القوانين الوضعية أهواء الناس؛ فلما عجزوا عن منع الخمر قرَّروا عدم إدراجها في المنهيات القانونية! وكذلك العلاقة الجنسية التي اعتبر القانون الفرنسي أن الأصل فيها الإباحة، ولما منعها، منعها لحق الزوج أو الزوجة، وجعلها جريمة شخصية، ولم يطلق على هذه العلاقة اسم: "الزنا" إلا في تلك الحالة فقط.

4- عَرَفَ النظام القضائي الإسلامي سلطة كبيرة للقاضي، فهو ممثل المجتمع أمام المتهم الماثل أمامه في القضايا التي هي من حقوق الله، والقاضي تأتيه المعلومات من الشهود؛ سواء من عموم الناس أو من رجال الحسبة أو رجال الشرطة، فهم يشهدون على المتهمين، ويتولى القاضي مناقشتهم أو طلب مَن يحتاج إلى شهادته، ومِن ثَمَّ يقضي على المتهم بالبراءة أو الإدانة، وإذا أدانه فيقضي بالعقوبة المقررة، ويأمر الشرطة بتنفيذها.

بل إن العقوبة التعزيرية يمكن أن يأمر بها الإمام مستندًا إلى فتاوى المفتين (أو ما يناظر في زماننا أن يكون تقرير التعزير بواسطة السلطة التشريعية)، ومع هذا كان للقاضي أن يقضي بعقوبة تعزيرية بناءً على اجتهاده في الحالة التي أمامه.

5- وفي النظم المعاصرة تنص كافة الدساتير على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص؛ فأغلقوا مبدأ اجتهاد القاضي، بل ينصون صراحة في شروحهم على أن قياس الأولى -وإن بدا واضحًا وضوح الشمس في كبد السماء- ممنوع أيضًا في حق القاضي.

كما أن الإجراءات القضائية المعاصرة تقوم على وجود دور للنيابة العامة -وهي جهة قضائية مهمتها إقامة الدعوى العامة ومباشرة إجراءاتها أمام الجهات والمحاكم المختصة بذلك-، فتقوم النيابة العامة بتحريك الدعوى باستدعاء المتهمين والشهود ومناقشتهم.

وإذا رأت أن أركان الجريمة قائمة، ومِن ثَمَّ رأت أن الأمر يقتضي أن ترفع الأمر للقضاء ليحاكم المتهم، فإنها أثناء المحاكمة تلعب دور الخصم للمتهم أمام المحكمة، ولكن النيابة لا تلعب دور الخصم الذي يريد أن يعاقب المتهم بأي وسيلة، ولكن دورها الحرص أن يتعرض المتهم لمحاكمة عادلة.

ويسبق دور النيابة: وجود الدعوى ذاتها، وهذا قد يحدث من أخبار صحفية، ولكنه غالبًا ما يحدث من ضابط شرطة، أو بصفة عامة أحد مأموري الضبط القضائي؛ حيث يجمع المعلومات ويقوم بتحريات يدونها في محضر يرسله إلى النيابة، وهنا يتحول ضابط الشرطة إلى شاهد أمام النيابة، وأمام القضاء إذا طلبه.

كما أن المادة 25 من قانون الإجراءات الجنائية تعطي الإذن لآحاد الناس أن يخطر النيابة بمعلوماته بصدد أي جريمة، سوى جرائم الشكوى والطلب.

تقول المادة 25 من قانون الإجراءات الجنائية: "لكلِّ مَن علم بوقوع جريمة -يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى عنها بغير شكوى أو طلب- أن يبلِّغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي عنها".

وهاهنا لا بد من ملاحظة أن ضابط الشرطة -ومن باب أولى المبلغ- يعتبر شاهدا أمام النيابة، وبالتالي لا يقبل في البلاغ أن يتضمن تكييفًا للجريمة، وإنما لا يتضمن إلا شهادة بوقائع سمعها ورآها.

وقانون الإجراءات الجنائية المصري يقسم الجرائم على هذا النحو:

- جرائم البلاغ: وهي الجرائم التي يرى واضعو القانون أنها جرائم في حق المجتمع.

وهذه الجرائم لها خاصيتان متلازمتان:

الأولى: أن النيابة من حقها تحريك الدعوى متى علمت بوجود موضع اتهام جدي بأي وسيلة كان هذا العلم.

الثانية: أنه يحق لغير المتضررين ضررًا مباشرًا من الجريمة من تقديم بلاغ إلى النيابة العامة بشأن وجود تهمة.

ويعتبر مقدم البلاغ شاهدًا أمام النيابة، ولها أن تناقشه في شهادته أو تناقشه المحكمة لاحقًا، بل الضباط وكل مَن معه ضبطية قضائية يكون دوره في القضية أمام النيابة والمحكمة أنه شاهد.

- جرائم الشكوى: وهي الجرائم التي يرى واضعو القانون أنها جرائم في حق شخصية عادية.

ويترتب على هذا انتفاء خاصيتي جرائم البلاغ، فيد النيابة تكون مغلولة، كما أنه لا يجدي تقديم البلاغ لمن هو مغلول اليد. ولو افترضنا أن القانون غل يد النيابة عن تحريك الدعوى لا عن قبول البلاغ؛ فستكون المحصلة تقديم بلاغ لمن لا يملك إلا رفضه وحفظه، وهو مما لا يقدم عليه عاقل، بل الذي يستفاد من المادة 25 من قانون الإجراءات الجنائية جعل الإذن بتقديم البلاغ فرع على أن تكون الجريمة مما يجوز للنيابة أن ترفع فيها دعوى بغير شكوى أو طلب.

حيث تقول المادة: "لكل مَن علم بوقوع جريمة -يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى عنها بغير شكوى أو طلب- أن يبلغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي عنها".

- جرائم الطلب: وهي الجرائم التي يرى واضعو القانون أنها جرائم في حق شخصية اعتبارية.

الصفحة التالية