شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المطالبة بجعل الزنا من جرائم البلاغ في قانون الإجراءات الجنائية.. المبررات ومناقشة الاعتراضات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

5- قدمنا أن الشرع اعتبر الزنا هو إقامة علاقة جنسية خارج إطار الزواج (أو ملك اليمين، وهو غير موجود في زماننا)، بينما إقامة العلاقة الجنسية في القانون الفرنسي مباح، وقد يدخل عليه المنع لسبب آخر -ويكون ارتباط المنع بهذا السبب ارتباط السبب بالمسبب يدور معه وجودًا وعدمًا-، وبالتالي فالمنع منصب على وجود أجرة في الدعارة، وإكراه في الاغتصاب، وكون الزنا من متزوج أو متزوجة مع عدم رضا الطرف الآخر أو تلبسه بمثل ما تلبس به صاحبه، وهذه الجريمة هي التي تسمى عندهم بالخيانة الزوجية، وهي بعينها التي تسمى الزنا (وعدم الإلمام بهذا المصطلح يورث الكثير من التداخل).

6- رغم أن الذهن قد ينصرف إذا وردت كلمة الزنا في قانون في بلد إسلامي أنه يعني الزنا بمعناه الشرعي؛ إلا أن استعمال القوانين لكلمة الزنا في حالة المتزوجين وسكوتها عن باقي الحالات يجعل تفسير الزنا بحالة المتزوجين فقط لازما، بل صرحت به المحكمة الدستورية في أحد حكمها على الدعوى رقم 238 لسنة 30 دستورية.

(وحيث إن الأصل التاريخي للنص المطعون فيه يعود إلى نص الفقرة الثالثة من المادة (338) من قانون العقوبات الفرنسي القديم، الذي حصر الأدلة التي تقبل وتكون حجة على المتهم بالزنا في حالة التلبس بالزنا، وحالة الإثبات بالرسائل والمستندات المنسوب كتابتها للمتهم، وهو عين ما نصت عليه المادة (254) من قانون العقوبات الأهلي المصري الصادر سنة 1883، وقد تبنى المشرع في قانون العقوبات الأهلي الصادر بالقانون رقم 3 لسنة 1904، القاعدة ذاتها، في المادة (238)، وأضاف إلى هاتين الحالتين، حالة اعتراف المتهم، وحالة وجوده في منزل مسلم في المحل المخصص للحريم. وهو النص عينه الذي تبناه قانون العقوبات الحالي الصادر بالقانون رقم 58. لسنة 1937، في المادة (276) منه.

وحيث إن مفهوم جريمة الزنا -على النحو الذي أورده المشرع في المواد من (273) إلى (277) من قانون العقوبات- هي تلك التي ترتكبها الزوجة إذا اتصلت جنسيًّا برجل غير زوجها، أو يرتكبها الزوج إذا اتصل جنسيا بامرأة غير زوجته...).

7- وحيث إن جريمة الزنا في القانون ليست إلا جريمة الخيانة الزوجية، ومِن ثَمَّ اعتبرها القانون جريمة شخصية، فلا تحركها النيابة إلا بشكوى من الزوج وحده، بل جعلوها أخص جريمة شخصية، مما لا يوجد له مثيل في الجرائم؛ فالزوج هو وحده من يملك تقديم الشكوى ويملك إيقاف التحقيقات ويملك أثناء نظر القضية إيقاف المحاكمة ويملك بعد الحكم التنازل عن تنفيذ الحكم، وإذا مات أثناء نظر الدعوى تنقضي الدعوى بوفاته.

8- ومن الآثار المترتبة على توصيف جريمة الزنا بأنها إقامة أحد الزوجين علاقة جنسية مع طرف آخر: أن القانون الوضعي قرر أنه لو كان ثبت رضا الشريك عن زنا شريكه، فلا جريمة ولا عقوبة؛ لأن كلًّا من الزوجين يزني فلا وجه لأن يشتكي أحدهما الآخر.

9- كما ترتب على ذلك أثر عجيب يضر بكثير من النساء، وذلك أنه يمكن أن تتساهل المتزوجة في دخول رجل أجنبي إلى مكان خاص في بيتها، وهذا انحراف ولكنه من الناحية الشرعية لا يعطى لزوجها ولا لغيره أن يتهمها بالزنا، ولكن لأن الزنا في القانون هو الخيانة الزوجية؛ فقد اعتبروا وجود رجل في مكان الحريم دليل كاف على الخيانة الزوجية، والقانون يطلق عليها وصف الزنا، والزنا له معنى محدد متى أطلق.

وبالتالي قد يوجد من يشتكيها زوجها بأنها أدخلت رجلًا غريبًا إلى البيت، فيقضي عليها بأنها ارتكبت الزنا وفق المفهوم المضطرب للزنا، المأخوذ عن القانون الفرنسي.

10- الستر في الشريعة وموقعه في المنظومة المتكاملة جاءت الشريعة في المنكرات بمنظومة متكاملة، فلا ينبغي أن نطبق واحدة دون الأخرى، أو نخلط بين مجال تطبيق كل منها، وإذا أخذنا جريمة الزنا سنجد في هذه المنظومة:

أ- بيان تحريمها ووصفها بما ينفر الناس منها؛ قال -تعالى-: ( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) (الإسراء: 32) .

ب- ترتيب عقوبة عليها ومخاطبة المؤمنين أن يقيموا الحد على فاعلها: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (النور: 2) . وهذه الحدود قد دلَّت سائر النصوص على أن الموكل بتنفيذها الحاكم.

ج- مخاطبة الأفراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌مَنْ ‌رَأَى ‌مِنْكُمْ ‌مُنْكَرًا ‌فَلْيُغَيِّرْهُ ‌بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) (رواه مسلم) .

د- إرشاد أفراد المجتمع إلى أن العقوبة ليست مقصودة لذاتها، وأنهم حينما يواجهون متلبسا بمعصية -حتى تلك المعاصي التي رتَّب الشرع عليها حدودًا أو رتب عليها الحاكم تعزيرًا-؛ فلو غلب على الظن توبة العاصي متى وعظ، فيستحب أن يستر عليه ويكتفى بوعظه ولا يبلغ القضية إلى الحاكم.

وأما إذا وجد منه جرأة واستهتارًا فحينئذٍ يكون المشروع هو تقديمه للحاكم لإيقاع العقوبة الزاجرة عليه.

هـ- وأما السلطان (أو أي سلطة من سلطات الدولة) فلا تملك خيار الستر؛ لكونه يفتح بابًا للتلاعب والتساهل، وأقصاها أنه يشرع أن يعرض على من أتى معترفًا من تلقاء نفسه يريد أن يطهر نفسه بإقامة الحد عليه أن يرجع؛ لأنه أصلًا هو مَن أتى دون أن يضبطه أحد، ورغبته في التوبة ظاهرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية