مكارم الأخلاق (14) الصبر (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) . وفي رواية: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .
- من مكارم الأخلاق المنشودة "الصبر": قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:153) . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ ) (متفق عليه) .
- في أيام الفتن والشدائد والمحن تزداد حاجة المسلم إلى الصبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ) قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ( بَلْ مِنْكُمْ ) (رواه أبو داود والترمذي، وقال الألباني: "صحيح لغيره") .
- الذي لا يصبر لا يصل إلى مراده ومحبوبه؛ فالصبر ضروري لكل إنسان: (انظر إلى الطالب كيف يصبر على المذاكرة، ويكف نفسه عن لذة الراحة، وذلك ليصل إلى مراده، وهو النجاح في الامتحانات - وانظر إلى التاجر كيف يصبر على الأسفار، وسوء أخلاق الرجال، ويكف نفسه عن لذة الراحة، وذلك ليصل إلى مراده، وهو الأرباح وعدم الخسارة - وانظر إلى الغريب، وكيف يصبر على شدة العيش في أيام الغربة؛ لأن له غاية وهدفًا، وهو أن يعود إلى بلده، وقد حقق مراده). وهكذا كل صاحب هدف، ولو كان باطلًا، فإنه يصبر على ذلك ليصل إلى مراده؛ قال الله -تعالى- عن صبر الكفار: ( وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ) (ص:6) ؛ فكيف بأهمية الصبر في حقك أنت، يا صاحب أعظم هدف، وهو الفوز بالجنة، والنجاة مِن النار؟!
(1) أنواع الصبر:
- هي ثلاثة: (الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة).
النوع الأول: الصبر على طاعة الله:
- وهو المواصلة والمجاهدة في طاعة الله حتى تلقاه، وعدم الالتفات إلى داعي الراحة والكسل، وتحمل المصاعب والمشاق في ذلك: قال الله -تعالى-: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) .
- مثاله من السير والتاريخ (مسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة): قال -صلى الله عليه وسلم- بعد مسيرة الطاعة والجهاد: "اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد". وقال -تعالى- عن الصحابة وأمثالهم: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) (الأحزاب: 23 ) . وقال -تعالى- عن تصبير موسى -عليه السلام- قومه: ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف:128) .
- أمثلة واقعية لبعض الطاعات التي لا يصبر عليها كثير من الناس: (صلاة الصبح في جماعة - حفظ القرآن - تعلم العلم الشرعي - الدعوة الى الله وتحمل الأذى في النفس والمال - إلخ).
النوع الثاني: الصبر عن معصية الله:
- وهو المواصلة والمجاهدة في ترك معصية الله حتى تلقاه، وعدم الالتفات إلى داعي الشهوات واللذات، وتحمل المصاعب والمشاق في ذلك.
- مثاله من السير والتاريخ (صبر يوسف -عليه السلام- على مغريات امرأة العزيز): ( قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) (يوسف:23) .
- أمثلة واقعية لبعض المعاصي التي لا يصبر عليها كثير من الناس: (شرب الدخان - مشاهدة الأفلام - سماع الأغاني - الصبر عن العمل في وظيفة محرمة لأجل الراتب - إلخ).
النوع الثالث: (وهو أكثر ما ينصرف إليه أكثر الناس عند ذكر الصبر): الصبر على أقدار الله المؤلمة.
- وهو التسليم لقضاء الله وقدره، والرضا بما قدَّره الله مما يشق على النفوس (المرض - فقد الولد - ضياع المال - الظلم والقهر - المصائب عمومًا): قال -تعالى-: ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (البقرة:155، 156) .
- مثاله من السير والتاريخ (صبر أيوب عليه السلام - صبر يعقوب عليه السلام - صبر آل ياسر رضي الله عنهم): قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللهِ -عليه السلام- لَبِثَ بِهِ بَلاؤُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ... ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) . ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) (يوسف: 18 ) ، ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ) (يوسف: 86 ) ، ( صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) (1) .
(2) فضل الصبر في الدنيا والآخرة:
- الصبر سبب معية الله وحفظه ومحبته: قال الله -تعالى-: ( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:46) .
- الصبر طريق الإمامة والتمكين للدين: قال الله -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدة:24) .
