مصر أمام حصار يفرض علينا اليقظة والحذر وصدق التوجه إلى الله (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
من تلك المخاطر التي تتعرض لها مصر:
4- نهر النيل صار مهدَّدًا بالتناقص والجفاف:
ارتبطت مصر شعبًا وحضارة بنهر النيل عبر آلاف السنين، فلا تذكر مصر إلا وذكر معها النيل، ولا يذكر النيل إلا وذكرت معه مصر. ثم جاءت الأحداث في العقد الأخير لتهدد مصر في أهم ما تملك؛ في نهرها، شريان الحياة الذي يمدها بالمياه التي لا غِنَى لها عنه، ومصدر هذا التهديد هو قيام إثيوبيا بإنشاء (سد النهضة) قرب حدودها مع السودان بكيفية فيها الكثير من التهديد لمصر، حيث تأتي من إثيوبيا النسبة الأكبر من مياه النيل المتجهة إلى السودان ومصر.
تم ذلك ويتم من إثيوبيا دون أي مشاورة مع مصر، بل بتعنت وتجاهل لمطالب مصر في الاطلاع على حقيقة مشروع السد ومراجعة تفاصيله الفنية تفاديًا لأي مخاطر أو سلبيات تضر بدولة المصب، وهذا مما أثار -ويثير- الشكوك حول وجود نية الإضرار بمستقبل مصر عاجلًا أو آجلًا، بل قد يقع الضرر على الجميع في ظلِّ التعنت والتصلب في القرار وتنفيذه مع احتمالية الخطأ والضرر فيه؛ إذ إن حجم السد وسعته وتكلفته تعد ضخمة للغاية.
الحكاية من البداية:
بدأ التفكير في بناء سدِّ النهضة في إثيوبيا منتصف الستينيات من القرن العشرين من خلال دراسات معمقة على حوض النيل الأزرق بدأت عام 1959، واستمرت لعدة سنوات، وضعها مكتب الاستصلاح الأمريكي أحد أهم المؤسسات الأمريكية المختصة بإدارة الموارد المائية، وذلك في أعقاب اتفاقية القرض الروسي لمصر لبناء السد العالي، حيث اتفقت مصر مع السودان من خلال اتفاقية وقعت بينهما عام 1959 على تقسيم فوائض مياه نهر النيل خلف السد العالي ومقدارها 74 مليار متر مكعب بينهما، بحيث يكون نصيب مصر منها 5 و 55 مليار متر مكعب ونصيب السودان منها 5 و 18 مليار.
وقد أثارت اتفاقية مصر والسودان هذه حفيظة إثيوبيا منذ توقيعها حيث لم تشرك مصر والسودان الطرف الإثيوبي فيها واعتبرتها تجاهلًا لها، رغم أن إثيوبيا لا ضرر عليها من وضع وتنفيذ هذه الاتفاقية في شيء، فهي أشبه باتفاقية خاصة بين البلدين لا تتعلق بمصالح باقي الأطراف المشاركة في حوض النيل بما فيها إثيوبيا، ومن وقتها وإثيوبيا يراودها وضع اتفاقية موازية لتوزيع حصص مياه النيل من جديد على دول حوض النيل، وهو ما سعت إليه من خلال اتفاقية (عنتيبي) في مايو 2010، التي تنتقص من الحصة التاريخية لمصر والسودان من مياه النيل.
تلاقت أغراض إثيوبيا مع الولايات المتحدة في الستينيات على إعادة النظر في التعامل مع مياه النيل، حيث وضع مكتب الاستصلاح الأمريكي خريطة كاملة لعدد من المشروعات المائية على نهر النيل الأزرق تحتجز قرابة 70 مليار متر مكعب من المياه حال تنفيذها كاملة، ومن ضمنها: سد الحدود الذي تحول بعد تطور فكرته إلى ما يعرف حاليًا بسدِّ النهضة.
قدرت السعة الممكنة وقتها لمشروع سد الحدود بأنها لا تزيد عن (11) مليار متر مكعب، نظرًا لوجود وادي بطول 5 كيلو متر غرب جسم سد الحدود يمنع ارتفاع المياه إلى أكثر من السعة المذكورة لمرور أي كميات زائدة عبر هذا الوادي إلى مجرى النهر خلف السد باتجاه السودان، ثم لتحسين مواصفات سد الحدود تم بعد سنوات إقرار مشروع جديد لزيادة سعة خزان السد ببناء سد مكمل آخر (سد السرج) لإغلاق الوادي المذكور بطول 5 كيلو متر وارتفاع 50 متر، وتمت تسمية المشروع ككل باسم: (سد النهضة) بسعة مستقبلية تصل إلى 74 مليار متر مكعب.
في عام 2010 وما بعده كشفت إثيوبيا عن نواياها في بناء سد النهضة بسعته الهائلة التي يمكن أن تضر بالأمن المائي لمصر رافضة في صلف ولأكثر من عشر سنوات إجراء أي مباحثات أو مفاوضات جادة حول إعادة النظر في -أو تأجيل- بعض عمليات ملء وتشغيل سد النهضة رغم الشكوك المصرية حول مخاطر بناء السد، في غياب التشاور والدراسات الوافية عنه وعن إجراءات السلامة والآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للمشروع على دولتي المصب خاصة حال التعرض للجفاف في أي مرحلة قادمة.
ويعد نصيب الفرد في مصر بحسب حصتها الحالية من ماء النيل (55.5 مليار متر مكعب)، وبعدد سكانها الذي تعدى 100 مليون نسمة نحو نصف النصيب العالمي للفرد من الماء (أي: نصف حد الفقر المائي عالميًّا)؛ كما أن مصر من الدول قليلة الأمطار سنويًّا. ويقدم نهر النيل القادم من خارج مصر نحو 98% من كمية الماء المتوفرة حاليًا في مصر.
ومما يزيد الأمر سوءًا ما يتردد من مخاوف حدوث فترات جفاف في السنوات القادمة تستنزف مخزون الماء في بحيرة ناصر، و مخاوف الجيولوجيين على سدِّ النهضة بضخامة سعته من الزلازل؛ إذ إن إثيوبيا تعد من أكثر الدول المعرضة للأنشطة الزلزالية والبركانية في إفريقيا، وسد النهضة يقع قرب منطقة زلزالية، مما قد يعرض سد النهضة للانهيار، وأوضحت دراسة أن هناك إزاحة غير متوازية على جانبي سد النهضة؛ مما يعني أن كميات المياه الضخمة الجاثمة فوق القشرة الأرضية للسد قد تؤدي إلى انزلاقات، وأن ضغط المياه على الأرض يمكن أن يؤدي إلى انزلاقات للقشرة الأرضية وزلازل.
محاولات إثيوبيا لتمرير اتفاقية عنتيبي:
في عام 2010 رفضت مصر والسودان اتفاقية (عنتيبي)، الاتفاقية الإطارية لحوض النيل، لإخلالها بالحقوق التاريخية والقانونية لدولتي مصب نهر النيل: مصر والسودان، ودعم هذا الرفض رفض الكونغو وبوروندي للاتفاقية، وبذلك لم تتحقق أغلبية الثلثين لإنفاذ الاتفاقية؛ إذ كانت دول حوض النيل تضم وقتها 9 دول (كينيا ورواندا وبوروندي وتنزانيا والكونغو، وأوغندا وإثيوبيا والسودان ومصر)، ودخول الاتفاقية حيز التنفيذ يحتاج موافقة ثلثي الدول، أي: تحتاج إلى موافقة 6 دول، وهو ما لم يتحقق بموافقة 5 دول عليها (إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا)، ورفض الدول الأربع الأخرى (مصر والسودان والكونغو وبوروندي).
وبعد انقسام السودان إلى دولتين كان انضمام دولة جنوب السودان إلى مجموعة دول حوض النيل يجعل مجموع هذه الدول عشر دول.
