شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الإسراء والمعراج في القرآن الكريم (1-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

- قال ابن كثير في تفسيره بعد إيراده الأحاديث النبوية الواردة في الصحيحين وغيرهما الوارد فيها قصة الإسراء والمعراج: "وإذا حصل الوقوف على مجموع الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، فحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه؛ زاد بعضهم فيه أو نقص منه".

- وأضاف أيضًا: "قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه: (التنوير في مولد السراج المنير)، وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد، ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وشداد بن أوس، وأُبَي بن كعب، وعبد الرحمن بن قرط، وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو، وجابر وحذيفة وبريدة، وأبي أيوب وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء، وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر -رضي الله عنهم أجمعين-؛ منهم مَن ساقه بطوله ومنهم من اختصره، على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة؛ فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (الصف: 8) " (تفسير ابن كثير - ط مكتبة الصفا المحققة - 1425 هجريًّا - 2004 م، 5/ 29) .

- ولا غرابة مطلقًا في قدرة الله -تعالى- على الإسراء بنبيه من مكة إلى إيلياء، والعروج به من هناك إلى السماء، ثم العودة بعد ذلك إلى مكة في نفس الليلة -بل في جزء منها-؛ فهذا في قدرة الله -عز وجل- يسير جدًّا، يتم في زمن يسير للغاية، والله -عز وجل- لا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير. وإنما كان أكثر زمن الرحلة فيما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- خلالها من أحداث كالتقائه بالرسل والأنبياء والصلاة بهم، وكلامه مع بعض منهم خلال مروره في السماوات، ورؤية الجنة والنار، وتلقي فرض الصلوات الخمس من الله -تعالى- مباشرة، وغير ذلك.

- والشواهد النقلية والعقلية على صحة ذلك كثيرة؛ منها:

- إن الله -تعالى- هو الذي أخبر أنه أسرى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ولم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أسرى بنفسه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذا في قدرة الله -تعالى- أمر هين ليس بالأمر الصعب، ولكنه في قدرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبإمكانيات عصره هو أمر صعب عليه للغاية، وشتان بين الأمرين.

- ما ذكره أبو بكر الصديق لما أخبره المشركون بقصة إسراء النبي ومعراجه؛ فذكر أنه يصدقه فيما هو أكبر من ذلك من تلقي الوحي من ربه عن طريق جبريل -عليه السلام-، فنزول جبريل لمخاطبة النبي لمرات كثيرة تردد فيها بين الله -عز وجل- وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتلو عليه آيات القرآن الكريم الذي نزل عليه منجمًا، وكذلك نزول جبريل على النبي -صلى الله عليه وسلم- بحسب الأحداث والنوازل، كلها دالة على قدرة الله -تعالى- على الإسراء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والعروج به متى شاء، فإن الله -تعالى- لا يعجزه شيء.

- ما ثبت في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه وصف بيت المقدس لكفار قريش، مما أراه الله -تعالى- له ليكون دليلًا دامغًا على صدقه فيما أخبر به، بل أخبرهم -صلى الله عليه وسلم- بأمور رآها في طريقه وتأكدوا منها؛ ففي الصحيحين قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ -أي: حجر إسماعيل -عليه السلام- فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) (متفق عليه) . وعند مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لقد رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا فَكَرَبْتُ كُرْبَةً مَا كَرَبْتُ مِثْلَهَا قَطُّ ) قال: ( فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ ) (رواه مسلم) .

قال ابن القيم -رحمه الله-: "فلما أصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قومه أخبرهم بما أراه الله -عز جل- من آياته الكبرى؛ فاشتد تكذيبهم له، وآذاهم واستضرارهم عليه، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلاه الله له حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئًا، وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها، وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفورًا، وأبى الظالمون إلا كفورًا" (زاد المعاد) .

- ما ورد في القرآن الكريم عن قدرة الجن على نقل الأشياء لمسافات كبيرة في زمن قصير للغاية، كما في قصة سليمان -عليه السلام-؛ قال -تعالى- عن سليمان: ( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ . قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (النمل: 28-40) ، فإذا كانت تلك قدرة عفاريت الجن؛ فكيف بقدرة الخالق لها -عز وجل-؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية