الإسراء والمعراج في القرآن الكريم (1-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
- ما وصلت إليه قدرة البشر حاليًا من الانتقال جوًّا بالطائرات المحملة بالبشر والبضائع الثقيلة لآلاف الكيلومترات في ساعات قليلة تعد على الأصابع بسرعات فائقة، وعلى ارتفاعات شاهقة، فلم تعد رحلة جوية من مكة إلى القدس من الأمور التي تحتاج إلى أوقات طويلة، بل يمكن الذهاب من مكة إلى القدس والعودة لمكة بالطائرة خلال جزء من ليلة، فإذا كانت تلك قدرة البشر؛ فكيف بقدرة الله -تعالى-؟!
- وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لسورة الإسراء تحت عنوان: (فائدة حسنة جليلة)، ما رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة بسنده عن قصة لقاء هرقل عظيم الروم وأبي سفيان المشهور بالشام لسؤاله عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال أبو سفيان في سياق الحديث: "والله ما منعني أن أقول عليه قولًا أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي ولا يصدقني في شيء. قال: حتى ذكرت قوله: ليلة أسري به، قال: قلتُ: أيها الملك ألا أخبرك خبرًا تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء ورجع إلي إلينا تلك الليلة قبل الصباح! قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر فقال بطريق إيلياء: قد علمت تلك الليلة. قال: فنظر إليه قيصر، وقال: ما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم فعالجته فغلبنا فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول به جبلًا فدعوت، إليه النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان، ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتي، قال فرجعت وتركت البابين مفتوحين، فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب وإذا فيه أثر مربط لدابة، قال: فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب إلا عن نبي، وقد صلى الليلة في مسجدنا..." وذكر تمام الحديث. (راجع: تفسير ابن كثير) .
- قال صفي الدين المباركفوري: "يرى القارئ في سورة الإسراء: أن الله ذكر قصة الإسراء في آية واحدة فقط ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم، ثم نبههم بأن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، فربما يظن القارئ أن الآيتين ليس بينهما ارتباط، والأمر ليس كذلك، فإن الله -تعالى- يشير بهذا الأسلوب إلى أن الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس؛ لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية لما ارتكبوا من الجرائم التي لم يبقَ معها مجال لبقائهم على هذا المنصب، وأن الله سينقل هذا المنصب فعلًا إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويجمع له مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما، فقد آن أوان انتقال القيادة الروحية إلى أمة تتدفق بالبر والخيرات، ولا يزال رسولها يتمتع بوحي القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم" (الرحيق المختوم) .
- في قوله -تعالى-: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) (الإسراء: 60) ، ذهب البعض إلى أن المراد بالرؤيا في الآية الرؤية المنامية، فكلمة الرؤيا لا تأتي مصدرًا إلا لرأى الحلمية، رأي المنام، لأن البصرية يقال فيها: رأيت رؤية، والمنامية يقال فيها: رأيت رؤيا، ونص القرآن: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) أي: أنها منامية، أي: أن الإسراء والمعراج كان منامًا لا يقظة. والأصح -كما ذكرنا-: أن الإسراء والمعراج كانا يقظة لا منامًا.
ويمكن أن يُجاب عما قالوه بما يلي:
- بأنه إن كانت رؤيا منامية؛ فكيف تكون فتنة للناس؟! ومعنى فتنة الناس أن بعضهم يصدق وبعضهم يكذب، ولو كانت رؤيا منامية فلا يناقشها أحدٌ؛ لا تصديقًا ولا تكذيبًا، وإلا فهل اختلف الناس مع واحد من الناس رأى رؤيا؟! وبأي شكل رآها؟! وبأي سرعة؟! وأي منظر؟! وما دامت الرؤيا جعلت فتنة؛ فهذا دليل على أنها لم تكن رؤيا منامية.
- بأن الرؤيا وردت في اللغة أيضًا للرؤية البصرية للأشياء، لكن في الأشياء الغريبة العجيبة التي مما لا يُدرك إلا فيما يشبه الأحلام، فكأنها منام لا يقظة.
ومن ذلك قول الشاعر:
فـكـبر للرؤيا وهـشَّ فـؤاده وبشـَّر نفسًا كان قبل يلومها
ومن ذلك قول المتنبي -وإن كان ممن لا يُستشهد بشعره إلا أنه يُستأنس به-: "ورؤياك في العينين أحلى من الغمض" (راجع في ذلك: "الإسراء والمعراج" للشيخ محمد متولي الشعراوي، ط. دار الشروق ط. أولى 1974، تقديم أحمد فراج، ص 44- 46) .
- قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير الآية المذكورة: "هي رؤيا عين أُريها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أُسري به" (راجع تفسير ابن كثير) .
