الإسراء والمعراج في القرآن الكريم (1-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
- إن الفعل جعل إذا جاء متعديًا لمفعول به واحد، كان بمعنى خلق من عدم، كما في قوله -تعالى-: ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) (النساء: 1) ، أما إذا جاء متعديًا لمفعولين، فيكون بمعنى حوّل شيئًا موجودًا إلى آخر، مثل جعلت الخشب مكتبًا، فيكون: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً ) أي: فجعل الرؤيا (مفعول به أول)، فتنة (مفعول به ثاني)، وكيف تصير الرؤيا حقيقة؟ لا مانع أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد رأى الإسراء رؤيا منامية ثم رآه يقظة، كما جاء في قوله -تعالى-: ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ) (الفتح: 27) ؛ إذ رأى الأمر في الرؤيا المنامية ورؤيا الأنبياء حق، ثم صارت حقيقة وواقعًا، فما الذي يمنع أن يكون رسول الله آنس الله روحه فرأى منامًا هذه المشاهد، وبعد ذلك رآها حقيقة، كما رأى أنه دخل المسجد الحرام رؤية وأصحابه محلقين ومقصرين، وبعد ذلك رآها حقيقة، وتكون ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتَهَا أَنْتَ فِي الْمَنَامِ إِلَّا فِتْنَةً ) أي: واقعًا يفتن فيه الناس، بعد أن كانت كذا صارت كذا، إذا فلا مانع أن يكون الرسول تعرض لحدث الإسراء منامًا، تعرض له روحًا وتعرض له يقظة، والسيدة عائشة أخبرت أنه ما رأى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، فإذا كان قد رأى رؤيا فهي إذًا حقيقة. (راجع في ذلك: "الإسراء والمعراج" للشعراوي، ص 46 - 48) .
- أما قوله -تعالى-: ( وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا . أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا . أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا . وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ) (الإسراء: 90-94 ) ؛ فهذا كله إخبار عن تعنت الكفار لا الطلب الصادق للآيات البينات وإلا فقد جاءهم منها ما يكفي وزيادة. ولا تنافي هذه الآيات النص في القرآن والسنة الصحيحة على وقوع معجزة الإسراء والمعراج، لكنها جاءت كما أراد الله -تعالى- مخالفة لأهوائهم وتعنتهم.
قال ابن كثير في تفسيره: ( أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ ) أن تصعد في سلم ونحن ننظر إليك، ( وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ )، قال مجاهد: أي مكتوب فيه إلى كل واحد واحد صحيفة: هذا كتاب من الله لفلان ابن فلان تصبح موضوعة عند رأسه. وقوله -تعالى-: ( قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ) أي: سبحانه و-تعالى- وتقدَّس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء، إن شاء أجابكم إلى ما سألتم وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلى رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلى الله -عز وجل-" (تفسير ابن كثير) .
وقال السعدي -رحمه الله- في تفسيره عن حال هؤلاء الكفار: "وجعلوا يتعنتون عليه باقتراح آيات غير آياته يخترعونها من تلقاء أنفسهم الظالمة الجاهلة".
وأضاف أيضًا: "ولما كانت هذه تعنتات وتعجيزات، وكلام أسفه الناس وأظلمهم، المتضمنة لرد الحق وسوء الأدب مع الله، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي يأتي بالآيات، أمره الله أن ينزهه، فقال: ( قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي ) عما تقولون علوًّا كبيرًا، وسبحانه أن تكون أحكامه وآياته تابعة لأهوائهم الفاسدة وآرائهم الضالة ( هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ) ليس بيده شيء من الأمر" (تفسير السعدي) .
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
