شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الإسراء والمعراج في القرآن الكريم (1-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد اختلف العلماء حول تعيين السَّنة التي وقعت فيها رحلة الإسراء والمعراج على أقوال عديدة، والأقرب أنها وقعت بين السنة العاشرة من البعثة وبين بيعة العقبة الأولى، والتي كانت في موسم الحج في السنة الثانية عشرة من البعثة، أو أنها وقعت بين البيعتين الأولى والثانية، والتي كانت في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة. والله أعلم. (راجع في ذلك: "الرحيق المختوم" لصفي الرحمن المباركفوري - ط. المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، ص 138) .

قال حافظ بن أحمد حكمي في (معارج القبول): "والإسراء والمعراج ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا تأثير لاختلاف أهل السير في تاريخه وتعيين سنته ووقته؛ غير أن الراجح فيه كونه بين عاشر البعثة وبين هجرته -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وعلى قول من يقول: إن خديجة -رضي الله عنه-ا أدركت فريضة الصلوات، فالمعراج في سنة عشر أو قبلها، والله أعلم؛ لأنها توفيت هي وأبو طالب في ذلك العام" (راجع: "معارج القبول" للشيخ حافظ بن أحمد حكمي - مركز الهدى للدراسات - ط. أولى، 1418 هجريًا - 1997م، 4/ 177) .

وعن الزهري -رحمه الله- قال: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة. وقال السدي: بستة عشر شهرًا. (راجع تفسير ابن كثير لسورة الإسراء) . وقال ابن عبد البر وغيره: كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران. (راجع: "زاد المعاد" لابن القيم) .

ولعل أنسب ما قيل في تعليل هذه الرحلة العجيبة هو ما جاء في قوله -تعالى-: ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ) (الإسراء:?) . وهذه من سنن الله -تعالى- مع رسله، قال الله -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (الأنعام:??) ، فالمقصود: ( وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ )، فبعد رؤية الآيات يحصل للأنبياء عين اليقين، فيتحملون في سبيل الله -تعالى- ما لا يتحمله غيرهم. وقال الله -تعالى- في حق موسى -عليه السلام-: ( لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ) (طه:??) .

ويقوي هذا التعليل: أن تلك المعجزة وقعت بعد وفاة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، وكانت خير عون للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعد وفاة عمه أبي طالب، وكان يحمي النبي -صلى الله عليه وسلم- من أذى قريش، وكلاهما قد توفي في السنة العاشرة من البعثة، والذي أُطلِق عليه (عام الحزن)؛ لشدة أثره على نفسية النبي -صلى الله عليه وسلم-.

رحلة الإسراء في القرآن الكريم:

ورد الحديث عن رحلة الإسراء في القرآن الكريم بالنص عليها أول سورة الإسراء، في قوله -تعالى-: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الإسراء:?) .

قوله -تعالى-: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا):

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يمجِّد -تعالى- نفسه ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه؛ فلا إله غيره ولا رب سواه" (تفسير ابن كثير) .

وقوله -تعالى-: ( أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ): المراد بعبده النبي -صلى الله عليه وسلم-، و( لَيْلًا ): أي في جنح الظلام. وكان الإسراء بروحه وجسده معًا، وإلا لم يكن في ذلك آية كبرى ومنقبة عظيمة.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "والحق أنه أسري به يقظة لا منامًا من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق". والإسراء في اللغة من السُّرى، وهو السير ليلًا، يقال: سرى وأسرى، وقوله: ( لَيْلًا ) أي: في جزء من الليل، فلم يسر به الليل كله، كما في قوله -تعالى-: ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) (هود:??) . والله -تعالى- أعلم.

- وأكثر العلماء -وهو الصواب- أنه أسري به -صلى الله عليه وسلم- ببدنه وروحه يقظة لا منامًا، لأمورٍ عديدةٍ؛ منها:

1- بداية الآية -آية سورة الإسراء- بالتسبيح (والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام؛ فلو كان منامًا لم يكن فيه شيء كبير، ولم يكن مستعظمًا، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم) (راجع تفسير ابن كثير) .

2- إن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال -تعالى-: ( أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ).

3- إن اعتراض كفار قريش وعدم تصديقهم للإسراء والمعراج دَلَّ على أن الإسراء والمعراج كان كما أخبرهم به النبي -صلى الله عليه وسلم- بالروح والبدن وفي اليقظة، فلو كان في المنام أو بالروح فقط لما كذبوه وأنكروا عليه.

4- وقد قال -تعالى- عن رحلة الإسراء والمعراج في سورة النجم: ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) (النجم: ??) ، والبصر من آلات الذات لا الروح.

5- إنه -صلى الله عليه وسلم- حُمِل على البراق، وهو دابة بيضاء براق لها لمعان، وإنما يكون الحمل للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركاتها إلى مركب تركب عليه. والله أعلم. (راجع تفسير ابن كثير) .

6- إنه ظاهر القرآن فلا يصرف عنه إلى غيره.

قوله -تعالى-: (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ):

بمكة ( إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى )، وهو: بيت المقدس الذي بإيلياء بالشام.

وقوله -تعالى-: ( الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) أي: بكثرة الزروع والثمار والأشجار، والخصب الدائم. ومن بركته تفضيله على غيره من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة، وأنه يشد إليه الرحال للعبادة والصلاة فيه، وأنه -تعالى- اختصه محلًّا لكثيرٍ من أنبيائه وأصفيائه. ( لِنُرِيَهُ ) أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-. ( مِنْ آيَاتِنَا ) أي: العظام.

وقوله -تعالى-: ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) أي: السميع لأقوال عباده مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم ( الْبَصِيرُ ) بهم، فيعطي كلًّا منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة.

الصفحة التالية