الوحدة الإسلامية في مواجهة إملاءات "ترامب" بشأن غزة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالإملاءات في عالم السياسة الدولية انتهت -على الأقل بتلك الصورة الفجَّة- منذ نشأة عصبة الأمم، والتي كان لأمريكا دورٌ بارزٌ فيها.
وباعتبارها دولةً حديثةَ التحرر من الاحتلال الإنجليزي آنذاك؛ كانت أمريكا صاحبة مصطلح: "حق الشعوب في تقرير المصير"، لكن سرعان ما تناست أمريكا هذا المبدأ بدءًا من الحرب العالمية الثانية واستعمالها القنبلة النووية ضد اليابان.
ومن ساعتها، وأمريكا تستبطِنُ حقَّها في إعادة هندسة العالم الذي تمَّت رسم معظم خرائطه قبل أن تتحول هي إلى دولة عظمى، ثم إلى الدولة الأقوى تسليحًا في العالم.
نعم، كانت الرئاسة معها الخارجية الأمريكية تفترضان دائمًا أنهما صاحبتا حقٍّ أصيلٍ في التدخل في كل مشكلات العالم، ولكن كان دائمًا ما يكون التدخل باسم الأمم المتحدة والشرعية الدولية، مع الحرص على الشكل القانونيِّ له، ثم تبنَّت أمريكا سياسة تصدير الفوضى الخلَّاقة إلى العالم العربيِّ.
ولو كانت دولة أخرى هي التي أعلنت أنها تصدِّر "فوضى" إلى بلاد أخرى، لتنادت أمريكا وحلفاؤها لعقد اجتماع في مجلس الأمن يخوِّل لها حقَّ شنِّ حرب عليها، ولكنها أمريكا!
ثم جاء ترامب، وانتقلت الفوضى إلى أفكاره هو، حتى أعلنت كثير من مؤسسات أمريكا أنها تتمنَّى ألا ينجح لمدة ثانية، وقد كان. ولم يجد ترامب أيَّ غضاضة في أن يطعن أكبر إنجاز حضاري قدَّموه للعالم في عمر حضارتهم القصير -من وجهة نظر الأمريكيين-؛ وهو: تداول السلطة بطريقة سلمية، والاحترام البالغ الذي يسلِّم به الرئيس مقاليد الحكم لمن بعده، ولو كان يغادر البيت الأبيض لخسارته الانتخابات أمام الرئيس الجديد؛ فشنَّ ترامب حربًا لا هوادة فيها على الانتخابات، واصفًا إياها بالمزوَّرة.
ثم بعد مدة الرئيس السابق بايدن، والتي بالغ فيها في دعم نتنياهو، أملاً في أن يسانده اليهود في النجاح لمدة ثانية، لكنهم دعموا ترامب، والذي ينتظر مساندتهم في أمرٍ من الصعوبة بمكانٍ في النظام الأمريكيِّ (وهو كسر قاعدة أن الحد الأقصى لشغل شخصٍ ما منصب الرئيس هو مدتين رئاسيتين).
دخل ترامب البيت الأبيض وعينه على مدة الرئاسة الثالثة، وبالتالي يريد تحقيق شيء غير مألوف: ضم أراضٍ، وتغيير خرائط، إلخ.
والخلفية التاريخية لترامب: أنه من نوعية رجال الأعمال الذين يجمعون بين الثراء الفاحش والنفوذ الواسع؛ فإذا أراد عقد صفقةٍ ما، فإنه يغرق الأطراف الأخرى بسيلٍ من الاقتراحات المتناقضة، والتي لا يبدو شيءٌ منها نابعًا من أسسٍ قانونيةٍ أو أخلاقيةٍ؛ فهو كمن يأتي يطالبك أن تبيعه ما لم تعرضه للبيع أصلًا، ثم يقول لك: "سأشتريه منك بمبلغ كذا، إذا لم يعجبك فسأمنحك مكانًا كذا، وإذا لم يعجبك فسأقنع طرفًا ثالثًا أن ينازعك الملكية وسأدعمه، إلخ"، وهكذا يخرج عليك كل يوم بعرضٍ، وهو ليس عرضًا بالمفهوم الطبيعيِّ لكلمة "عرض"، يعني إما أن تقبله وإما أن ترفضه، لكنها إملاءات!
وعلى العالم أجمع أن يدرك: أن اقتراح تهجير أهل غزة خطرٌ داهمٌ على الجميع، وأن شهية ترامب لا يمكن أن تقف عند حدٍّ؛ فقد رأينا في أيامٍ قليلةٍ كيف قد جال بعينه من كندا إلى جرينلاند إلى قناة بنما إلى غزة! ولو نجحت تجربةٌ واحدةٌ، فلينتظر العالمُ كلَّ مَن سيقع عليه الاختيار ليقضم منه القضمة التالية.
وأما المسلمون فقد جاءتهم الحروب الصليبية -وهم ليسوا في أحسن أحوالهم-؛ فسقطت القدس، ولكنهم سرعان ما استيقظوا وطردوا الصليبيين شرَّ طردة.
وعلى سبيل العلاوة: فتحت القسطنطينية من قِبَلِ المسلمين، وقامت الدولة العثمانية، ثم كان البحث العلميُّ والتطور العسكريُّ منذ القرن السابع عشر الميلاديِّ، والذي أخذت الدولة العثمانية في التأخر عنه شيئًا فشيئًا، حتى سقطت، وسقطت كثيرٌ من دول المسلمين في براثن الاحتلال، والذي رحل عن جميعها إلا فلسطين، فقد سلَّمها لليهود ليقيموا دولتهم؛ فأعلنوها في عام 1948، وجيوش العالم الإسلامي واقعةٌ تحت سيطرة جيوش الاحتلال؛ فلا تسليح ولا إعداد، ولا معرفةٌ بمسالك الحرب الحديثة، ولكن فقط بطولاتٌ فرديةٌ من أفرادٍ يحملون أسلحةً صدئةً، بل كثيرٌ منها فاسدٌ!
ومع هذا، كادت الجيوش الإسلامية أن تحسم المعركة؛ لولا هدنة الأمم المتحدة، والتي التزم بها العرب وحدهم، فغيَّر اليهود الكثير من معالم المعركة!
والآن، قد تطور إدراك الدول الإسلامية بدهاليز السياسة وبفنون القتال، وتطورت قدراتها العسكرية، وتعاظمت قدراتها الاقتصادية من إنتاج البترول وغيره. فسيكون من العار على هذا الجيل أن تتمكن أمريكا من تمرير هذا المخطط بعد أن ملكت دولنا مجتمعةً أسباب قوةٍ -بفضل الله-.
فعلى الجميع أن يمتثل لقوله -تعالى-: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) (آل عمران: 103)؛ فلا بد من موقف إسلاميٍّ موحَّدٍ معضَّدٍ لمن اتخذوا مواقف بالفعل.
وأولهم: الشعبُ الغزاويُّ الصابر المحتسب، الذي يتمسك بحماية أرضه، وهذا حقه، ولكنهم أمام إغراءات ترامب بنقلهم إلى مواطن يجدون فيها رغد العيش، يعلمون أنهم يؤدون جميلًا رائعًا تجاه أمتهم؛ حتى اعترف ترامب أنهم لا يوافقون على الهجرة، ولكنه استدرك معللًا هذا بأنهم لم يجدوا البديل، وأنه حين يوجد لهم البديل سيقبلون.
وما أجمل ما قاله اللواء "خالد مجاور" محافظ شمال سيناء، في تدوينة على منصة إكس: "رغم أني خدمت في العسكرية المصرية لأكثر من أربعين عامًا كمقاتل؛ إلا أن جسمي وكياني كله كان ينتفض وأنا أستقبل أطفال غزة المصابين تقديرًا واحترامًا لصمودهم طوال هذه الفترة".
وأضاف: "أحسستُ أنني أقابل أبطالًا حقيقيين، وليس أطفالًا".
ثانيًا: دولة مصر الشقيقة الكبرى للعرب عامةً وللفلسطينيين خاصةً، وقد جاء الرفض المصريُّ قاطعًا على لسان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكدًا على أن فلسطين قضية أمةٍ، وواصفًا تهجير الفلسطينيين بالظلم الذي لا يمكن لمصر كدولةٍ ولا كشعبٍ، ولا له هو شخصيًّا أن يشارك فيه.
