مكارم الأخلاق (18) (الورع) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- الإسلام يحثُّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وفي رواية: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني) ، وقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
- من مكارم الأخلاق المنشودة "الورع": عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( فَضْلُ الْعِلْمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ ) (أخرجه الحاكم والبزار وصححه الألباني) .
- المقصود بالورع: قالوا: هو تَرْكُ ما يريبك، ونَفْي ما يعيبُك، والأخذ بالأوثق، وحَمْلُ النَّفْسِ على الأشق. وقيل: هو تَجَنُّبُ الشبهات. وقيل: هو تَرْكُ ما يُخْشَى ضَرَرُه في الآخرة.
- من السهولة بمكانٍ أن يكون المُسلِمُ مصليًا أو صَوَّامًا أو قوَّامًا، أو خَطيبًا، أو مُعَلِّمًا أو داعيةً، أو حتى عالِمًا؛ ولكن من الصعوبة بمكانٍ أن يكون وَرِعًا؛ لأنَّ الوَرَعَ رُتْبةٌ عَزِيزة المنال: قال حبيب بن أبي ثابتٍ -رحمه الله-: "لَا يُعْجِبُكُمْ كَثْرَةُ صَلَاةِ امْرِئٍ وَلَا صِيَامِهِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى وَرَعِهِ، فَإِنْ كَانَ وَرِعًا مَعَ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ مِنَ الْعِبَادَةِ، فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا". وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْوَرَعِ؛ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ مِثْقَالٍ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ".
- حاجتنا إلى التخلق بهذا الخلق الكريم، والنهج القويم؛ لا سيما وأن أكثر الناسِ اليوم -إلاَّ من رَحِمَ اللهُ- إنما يهمه أنْ يُحقِّقَ مآرِبَه في الدنيا، وينال شهواتها وملذَّاتها دون التفاتٍ إلى الشرع.
(1) شواهد الحث على الورع:
- أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلم أن يتورع عن الأشياء التي يشك فيها، وأن يعمل بما فيه راحة النفس والقلب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
قال الحافظ ابن حجر: "والمعنى: إذا شككت في شيء فدعه، وترك ما يُشَكُّ فيه أصل عظيم في الورع" (فتح الباري) .
- وحذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من الاقتراب من الأمور المشكوك فيها، وبيَّن أنها تؤدي إلى الوصول إلى الحرام الصريح: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ) (متفق عليه) . قال ابن رجب: "وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى".
(2) أبرز مجالات الورع:
1- الورع في حفظ الجوارح (النظر - السمع - اللسان - الأنف - ...): قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .
وعن نافع قال: "سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ، مِزْمَارًا قَالَ: فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ، وَنَأَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَقَالَ لِي: يَا نَافِعُ هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَرَفَعَ إِصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَسَمِعَ مِثْلَ هَذَا، فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
"وأُتي عمر بن عبد العزيز بغنائم مسك فأخذ بأنفه، فقالوا: يا أمير المؤمنين: تأخذ بأنفك لهذا؟ قال: إنما ينتفع من هذا بريحه؛ فأكره أن أجد ريحه دون المسلمين" (الورع لابن أبي الدنيا) ، "واطلع عمر بن الخطاب على أبي بكر -رضي الله عنهما - وهو يمدُّ لسانه، فقال: ما تصنع يا خليفة رسول الله؟ قال: هذا أوردني الموارد، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ليس شيءٌ من الجسد إلا يشكو إلى الله اللسان على حِدَّته"، وعن الفضيل بن عياض قال: "أشدُّ الورع في اللسان" (الورع لابن أبي الدنيا) .
2- الورع في الكسب: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )، وَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ )، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! ) (رواه مسلم) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ فَمن اسْتَطَاعَ أَن لَا يَأْكُل إِلا طيبا فَلْيَفْعَلْ ) (رواه البخاري) .
