الإسراء والمعراج في القرآن الكريم (2-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
- قوله -تعالى-: ( ذُو مِرَّةٍ ): أي: ذو قوة. قاله مجاهد والحسن وابن زيد. وقال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خُلُقٍ طويل حسن. قال ابن كثير: "ولا منافاة بين القولين؛ فإنه -عليه السلام- ذو منظر حسن وقوة شديدة. وقد ورد في الحديث الصحيح من رواية ابن عمر وأبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
- وقوله: ( فَاسْتَوَى ): يعني جبريل -عليه السلام-؛ قاله الحسن ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس.
- وقوله: ( وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى . ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ): يعني جبريل استوى في الأفق الأعلى؛ قاله عكرمة وغير واحد. قال عكرمة: والأفق الأعلى الذي يأتي منه الصبح. وقال مجاهد: هو مطلع الشمس. وقال قتادة: هو الذي يأتي من النهار، وكذا قال ابن زيد وغيرهم.
- وقوله -تعالى-: ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ ): قال ابن كثير: "أي: فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض حتى كان بينه وبين محمد -صلى الله عليه وسلم- قاب قوسين؛ أي: بقدرهما إذا مُدَّا؛ قاله مجاهد وقتادة. وقد قيل: إن المراد بذلك بعد ما بين وتر القوس إلى كبدها".
- وقوله: ( أَوْ أَدْنَى ) أي: على مسافة قريبة جدًّا من النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير: "هذه الصيغة تُستعمل في اللغة لإثبات المخبر عنه ونفي ما زاد عليه، كقوله -تعالى-: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) (البقرة: 74) ؛ أي: ما هي بألين من الحجارة، بل هي مثلها أو تزيد عليها في الشدة والقسوة. وكذا قوله: ( يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) (النساء: 77) ، وقوله: ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) (الصافات: 147) ، أي: ليسوا أقل منها، بل هم مائة ألف حقيقة ويزيدون عليها؛ فهذا تحقيق للمخبر عنه، لا شك ولا تردد، فإن هذا ممتنع ههنا. وهكذا هذه الآية: ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) (النجم: 9) . وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد -صلى الله عليه وسلم- إنما هو جبريل -عليه السلام-، هو قول أم المؤمنين عائشة، وابن مسعود، وأبي ذر، وأبي هريرة.
- وقوله: ( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ): معناه: فأوحى جبريل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما أوحى، أو فأوحى الله إلى عبده ما أوحى بواسطة جبريل، وكلا المعنيين صحيح.
- وقوله: ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ): قال ناصر السعدي: "أي: اتفق فؤاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورؤيته على الوحي الذي أوحاه الله إليه، وأنه تواطأ عليه سمعه وقلبه وبصره. وهذا دليل على كمال الوحي الذي أوحاه الله إليه، وأنه تلقاه منه تلقِّيًا لا شك فيه، ولا شبهة، ولا ريب، فلم يكذب فؤاده ما رأى بصره، ولم يشكَّ بذلك. ويحتمل أن المراد بذلك ما رأى -صلى الله عليه وسلم- ليلة أُسري به من آيات الله العظيمة، وأنه تيقنه حقًّا بقلبه ورؤيته".
- وقوله -تعالى-: ( أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ): أي: أفتجادلونه.
- وقوله -تعالى-: ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ): أي: هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، وكانت في ليلة الإسراء.
وعند مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال في قوله -تعالى-: ( وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ): رأى جبريل -عليه السلام-.
وروى أحمد بسند جوَّده ابن كثير عن ابن مسعود مرفوعًا: "رأيت جبريل على سدرة المنتهى وله ستمائة جناح"، وروى أحمد أيضًا مرفوعًا: "رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينثر منه ريش التهاويل من الدر والياقوت"، قال ابن كثير: "وهذا إسناد جيد قوي".
وعن ابن مسعود موقوفًا بسند حسنه ابن كثير قال: "رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل من الدر والياقوت ما الله به أعلم.
وقال مجاهد: رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جبريل في صورته مرتين.
وكذا قال قتادة والربيع بن أنس وغيرهم.
وقد جاء التأكيد على هذا الأمر باستخدام (لام التأكيد)، و(قد)؛ أما المرة الأولى التي رأى فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- جبريل -عليه السلام- على صورته التي خلقه الله -تعالى- عليها فمذكورة في سورة التكوير: ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) (التكوير: 23) .
قال ابن كثير: "يعني: ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله -عز وجل- على الصورة التي خلقه الله عليها، وله ستمائة جناح، ( بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) أي: البين. وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى . ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى . وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى . ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى . فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) (تفسير ابن كثير) .
- وقوله -تعالى-: ( عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ): وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها. قال الشيخ ناصر السعدي: "وهي شجرة عظيمة جدًّا فوق السماء السابعة، سميت سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض، وينزل إليها ما ينزل من الله من الوحي وغيره، أو لانتهاء علم الخلق إليها؛ أي: لكونها فوق السماوات والأرض، فهي المنتهى في علوها أو لغير ذلك، والله أعلم. فرأى النبي -صلى الله عليه وسلم- جبريل في ذلك المكان".
- والسِّدْر -بسين مكسورة مشددة والدال ساكنة-: هو شجر النبق. واحدته: سدرة (المعجم الوجيز) . وفي حديث المعراج في الصحيح مرفوعًا: ( ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ ) (متفق عليه) . والقلال: جمع قلة، وهَجَر: بفتح الهاء والجيم قرية قريبة من المدينة.
