الإسراء والمعراج في القرآن الكريم (2-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
- وقوله -تعالى-: ( عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ): أي: عند تلك الشجرة. ( جَنَّةُ الْمَأْوَى ) أي: الجنة الجامعة لكل نعيم، بحيث كانت محلًّا تنتهي إليه الأماني وترغب فيه الإرادات، وتأوي إليها الرغبات. وهذا دليل على أن الجنة في أعلى الأماكن، وفوق السماوات السبع.
وقد قال -تعالى-: ( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (السجدة: 19) .
- وقوله ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ): أي: يغشاها من أمر الله -تعالى- شيء عظيم لا يعلم وصفه من الملائكة والنور والألوان. روى مسلم وأحمد عن عبد الله بن مسعود موقوفًا: "لما أسري برسول الله -صلى الله عليه وسلم- انتهى إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط منها فيقبض فيها ( إِذْ يُغْشِى السِّدْرَةَ مَا يُغْشِى )، قال: فراش من ذهب، قال: وأعطي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئًا من أمته المقحمات -أي: الكبائر-".
ومع بلوغ سدرة المنتهى أصبح النبي -صلى الله عليه وسلم- مهيأً لتلقي كلام الرب -عز وجل- مباشرة.
- وقوله ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ ): قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ما ذهب يمينًا ولا شمالًا". ( وَمَا طَغَى ) أي: ما تجاوز البصر ما أمر به. وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة. "وهذا من كمال الأدب منه -صلوات الله وسلامه عليه- أن أقام مقامًا أقامه الله فيه، ولم يقصر عنه ولا تجاوزه ولا حاد عنه. "وهذا أكمل ما يكون من الأدب العظيم الذي فاق فيه الأولين والآخرين؛ فإن الإخلال بأن يكون أحد هذه الأمور: إما أن لا يقوم العبد بما أمر به، أو يقوم به على وجه التفريط، أو على وجه الإفراط، أو على وجه الحيدة يمينًا وشمالًا، وهذه الأمور كلها منتفية عنه" (تفسير السعدي) .
وفي ذلك قال الشاعر:
رأَى جَنَّةَ المَأوَى وَمَا فَوْقَها وَلَو رَأى غــَـيـرُهُ مـا قَـد رَآه لـتَـاهَـا
- وقوله -تعالى-: ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ): من الأمور التي رآها في ليلة الإسراء والمعراج على الأرض وفي السماوات، وهذا كقوله -تعالى-: ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ) أي: الدالة على قدرتنا وعظمتنا. قال ابن كثير: "وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة أن الرؤية تلك الليلة لم تقع -يعني رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ببصره-؛ لأنه قال: ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى )، ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك ولقال ذلك للناس".
وقد أوردت الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما بعض تفاصيل ما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- في السماوات وما فوقها في تلك الليلة.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "أُسْرِيَ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكبًا على البراق صحبة جبريل -عليهما الصلاة والسلام-، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب المسجد. ثم عُرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبريل ففتح له، فرأى هنالك آدم أبا البشر، فسلم عليه فرحب به، ورد عليه السلام، وأقر بنبوته، وأراه الله أرواح الشهداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن يساره. ثم عُرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما وسلم عليهما، فردا عليه ورحبا به، وأقرا بنبوته. ثم عُرج به على السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف فسلم عليه، ورحب به وأقر بنبوته. ثم عُرج به إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته. ثم عُرج به إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته. ثم عُرج به إلى السماء السادسة، فلقى فيها موسى بن عمران، فسلم عليه ورحب وأقر بنبوته. فلما جاوز بكى موسى، فقيل له ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلامًا بُعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي. ثم عُرج به إلى السماء السابعة، فلقى فيها إبراهيم عليه السلام، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته. ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع إليه البيت المعمور. ثم عُرج به إلى الجبار جل جلاله فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مر على موسى، فقال له: بم أمرك؟ قال: بخمسين صلاة. قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار: أن نعم إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار -تبارك وتعالى-، فوضع عنه عشرا، ثم أنزل حتى مر بموسى فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله -عز وجل-، حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييت من ربي، ولكن أرضى وأسلم، فلما بعد نادى منادٍ: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي" (زاد المعاد) .
ويدل ذلك على منزلة الصلاة؛ إذ هي العبادة الوحيدة التي تم التكليف بها من الله -تعالى- مباشرة بلا واسطة. وكذلك الدلالة على جواز نسخ الحكم الشرعي قبل التمكن من الفعل، إذ نسخ الفرض من خمسين صلاة إلى خمس صلوات قبل فعل الخمسين صلاة.
وفي مراجعة موسى عليه السلام للنبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن الخمسين صلاة دلالة على أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب؛ إذ استفاد موسى -عليه السلام- من تجربته مع قومه في التعرف على أحوال الناس وأنهم لن يتحملوا إلا ما هو أقل من ذلك بكثير. وفيه التنبيه بالأعلى على الأدنى. والله أعلم.
ومن الفوائد أيضًا:
- فضل السفر ليلًا.
- إن للسماوات أبوابًا حقيقية، عليها حفظة موكلين بها.
- بيان آداب الاستئذان عند القدوم وقبل الدخول.
- استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحاب والثناء والدعاء.
- جواز المدح للشخص عند أمن الافتتان.
- جواز النصح وإن لم يستشر الناصح.
