شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الإسراء والمعراج في القرآن الكريم (2-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلم يأتِ في القرآن الكريم النصُّ الصريح على العروج بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى السماوات في ليلة الإسراء والمعراج، ولكن وردت الآياتُ في سورة النجم التي فيها ذكر أمور من لوازمها وقوع العروج. وقد جاءت حادثة الإسراء، التي أُقيمَ الدليلُ على وقوعها على الأرض، لتفتح الطريق واسعًا للتصديق برحلة المعراج إلى السماء؛ فالتسليمُ بحدوث الإسراء مقدمةٌ نتيجتها التصديق بحدوث المعراج، فالذي خرق قانونَ قطع المسافات على الأرض قادرٌ على خرق قانون الارتفاع إلى السماء، فمن صنع الحدثَ المُعجِزَ الأول على الأرض قادرٌ على صنع الحدث المُعجِزَ الثاني في السماء.

فالمعراجُ تقف عنده العقولُ متحيرةً، لكنها تعلم أن اللهَ -تعالى- لا يعجزه شيء؛ لذا تُرِك الإيمانُ به لقوة إيمان العبد وتصديقه بالغيبيات، وإلا فإننا لم نرَ (سدرةَ المنتهى)، ولا (جنةَ المأوى) اللتين ورد في القرآن عروجُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إليهما؛ لذا قال العلماء: من كذَّب بالإسراء كفر؛ لأنه كذَّب بالنص القرآني الصريح: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الإسراء: 1) ، ولكن من شكَّ في أمر المعراج فلا يكفر بذلك، بل هو ضالٌّ يَفسق؛ إذ ثبت المعراجُ في القرآن بدلالة الالتزام -كما سنبين-، كما ثبتت تفاصيلُه في السُّنَّة النبوية الصحيحة عند البخاري ومسلم، وغيرهما، وهي وإن لم تبلغ حد التواتر، لكن تلقتها الأمة قاطبةً جيلًا بعد جيلٍ بالتسليم والقبول: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء: 115) . والعقلُ إذا تأمَّل وتدبَّر وآمن، وبلغ قمةَ اليقين؛ وجب عليه التصديق والالتزام بكل ما يُخبَر به بعد ذلك من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل فيها، وهذه من صفات المتقين: ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب ) (البقرة: 2، 3) ؛ لذا قالوا: إن هذا من رحمة الله بخلقه، فالإسراءُ الذي أُقيم الدليلُ الماديُّ للناس عليه أتى به القرآنُ صراحةً فلا عذرَ فيه.

أما الأمر الذي قد تحتار فيه العقولُ بعضَ الشيء فقد تُرك لمدى اليقين الإيماني، أو مدى التسليم بالمقدمة التي تليها النتيجة الأخرى؛ أما أهل الكفر والعناد فلا رجاء فيهم ولو عُرِجَ بهم أنفسهم إلى السماء: ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) (الحجر: 14-15) .

آيات المعراج في سورة النجم:

قال الله -تعالى- في صدر سورة النجم: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى . ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى . وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى . ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى . فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى . مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى . أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى . عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى . مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) (النجم: 1-18) .

- قوله -تعالى-: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ): قسم بالنجم إذا سقط وغرب. عن مجاهد: يعني بالنجم الثُّرَيَّا إذا سقط مع الفجر، وكذا رُوِي عن ابن عباس وسفيان الثوري، واختاره ابن جرير.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهذه الآية كقوله -تعالى-: ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ . لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) (الواقعة: 75-79) . وقال الشعبي وغيره: "الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق".

- وقوله -تعالى-: ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ): "هذا هو المقسوم عليه، وهو الشهادة للرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه راشد تابع للحق ليس بضالٍّ. والضالُّ: هو الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصدًا إلى غيره. فنزَّه الله رسوله وشرعه عن مشابهة أهل الضلال"؛ ولهذا قال -تعالى-: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) (النجم: 3) أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض، ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى ) (النجم: 4) أي: إنما يقول ما أُمِرَ به، يبلِّغه إلى الناس كاملًا موفورًا من غير زيادة ولا نقصان.

كما روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: ‌تُكْتَبُ ‌كُلَّ ‌شَيْءٍ ‌تَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّضَاءِ وَالْغَضَبِ؟، قَالَ: فَأَمْسَكْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ( اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

- وقوله -تعالى-: ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ): يخبر -تعالى- عن رسوله ? أن علمه الذي جاء به إلى الناس علَّمه إياه شديد القوى، وهو جبريل -عليه السلام-، كما قال -تعالى- في سورة التكوير عن جبريل: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) (التكوير: 19-21) .

الصفحة التالية