حادثة تحويل القبلة في القرآن الكريم (1-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
- قوله -تعالى-: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ):
قال ابن كثير: "أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله -تعالى- سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمته وما خصه الله -تعالى- به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا، ولهذا تهددهم -تعالى-: ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ )".
- قوله -تعالى-: ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ للْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. وَمن حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (البقرة: 150-151).
قال ابن القيم في (زاد المعاد): "وأكَّد سبحانه هذا الأمر مرة بعد مرة بعد ثالثة، وأمر به حيثما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن حيث خرج، وأخبر أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هداهم إلى القبلة، وأنها هي القبلة التي تليق بهم؛ لأنها أوسط القبل وأفضلها، وهم أوسط الأمم وخيارهم، فاختار أفضل القبل لأفضل الأمم" (المصدر السابق) .
قال ابن كثير: "هذا أمر من الله -تعالى- باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض. وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات:
فقيل: تأكيد؛ لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عباس وغيره.
وقيل: بل هو منزل على أحوال؛ فالأمر الأول: لمن هو مشاهد الكعبة. والثاني: لمن هو في مكة غائبًا عنها. والثالث: لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي.
وقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار. ورجح هذا الجواب القرطبي.
وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله وبعده من السياق. فقال أولًا: ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) إلى قوله: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ )، فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته، وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها. وقال في الأمر الثاني: ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )؛ فذكر أنه الحق من الله وارتقاءه المقام الأول حيث كان موافقا لرضا الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فبيَّن أنه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه. وذكر في الأمر الثالث: حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يحتجون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم عليه السلام إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب حجتهم لما صرف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول إليها".
وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها الرازي وغيره، والله أعلم.
- وقوله -تعالى-: ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ): يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق إلى بيت أبيه ودين قومه، وكان حجتهم على النبي انصرافه إلى البيت الحرام، وقالوا: سيرجع إلى دين مشركي مكة كما رجع إلى قبلتهم. روي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس وقتادة والسدي نحو هذا.
- قوله -تعالى-: ( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ): يعني مشركي العرب. وجواب ما قالوا: أن الله -تعالى- اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولًا؛ لما له -تعالى- في ذلك من الحكمة فأطاع ربه -تعالى- في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم، وهي الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضًا، فهو صلوات الله وسلامه عليه مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة عين وأمته تبع له.
- وقوله -تعالى-: ( فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ) أي: لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين وأفردوا الخشية لي؛ فإنه -تعالى- هو أهل أن يخشى منه.
- وقوله -تعالى-: ( وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ) عطف على ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) أي: لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها. ( وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) أي: إلى ما ضلت عنه الأمم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأمم وأفضلها.
- قوله -تعالى-: ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة: 142) : المراد بالسفهاء هاهنا: مشركو العرب؛ قاله الزجاج. وقيل: أحبار اليهود قاله مجاهد، وقيل: المنافقين؛ قاله السدي. قال ابن كثير: والآية عامة في هؤلاء كلهم. والله أعلم.
