حادثة تحويل القبلة في القرآن الكريم (1-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
ولما وقع تحويل القبلة إلى المسجد الحرام حصل لبعض الناس من أهل النفاق والكفار من اليهود شك وزيغ، فقالوا: ( مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ) (البقرة: 142) ، أي: قالوا ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا وتارة يستقبلون كذا، فأنزل الله جوابهم في قوله: ( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) (البقرة: 142) ، أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) (البقرة: 115) ، و( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ) (البقرة: 177) ، أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما توجهنا فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، نحن عبيده وفي تصرفه وخدمه حيثما وجهنا توجهنا.
- قوله -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (البقرة: 143) :
قال ابن كثير: "يقول -تعالى-: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط هنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش وسط العرب نسبا ودارا، أي: خيرها". والوسط: العدل.
- قوله -تعالى-: ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) (البقرة: 143) :
قال ابن كثير: "يقول -تعالى-: إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس ثم صرفناك عنه إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه، أي: مرتدًا عن دينه.
- ( وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً ) أي: هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا لأمرًا عظيمًا في النفوس إلا على الذين هدى الله قلوبهم وأيقنوا بصدق الرسول وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك بخلاف الذين في قلوبهم مرض فإنه كلما حدث أمر حدث لهم شك).
- قوله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (البقرة: 143) :
قال ابن كثير: "وقوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ )، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك، ما كان يضيع ثوابها عند الله. وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي عن البراء قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ )، ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه. وعن ابن عباس قال: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ )، أي: بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطيكم أجرها جميعًا ( إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ).
وقال الحسن البصري: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ )، أي: ما كان الله ليضيع محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وانصرافكم معه حيث انصرف ( إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ).
- قوله -تعالى-: ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) (البقرة: 145) :
قال ابن كثير: "يخبر -تعالى- عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم، كما قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) (يونس: 96) . ولهذا قال هاهنا: ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ).
- وقوله: ( وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ) إخبار عن شدة متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما أمره الله -تعالى- به، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم فهو أيضا مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله ولا كونه متوجها إلى بيت المقدس لكونها قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله -تعالى-. ثم حذر -تعالى- عن مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى؛ فإن الحجة عليه أقوم من غيره، ولهذا قال مخاطبًا للرسول والمراد به الأمة: ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ).
- قوله -تعالى-: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) (البقرة: 146، 147) .
قال ابن كثير: "يخبر -تعالى- أن العلماء من أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا".
وقال: "ثم أخبر -تعالى- أنهم مع هذا التحقق والإتقان العلمي ( لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ ) أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم يعلمون. ثم ثبت -تعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ).
