حادثة تحويل القبلة في القرآن الكريم (1-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تناولت الآيات القرآنية من الآية (142) إلى الآية (150) من سورة البقرة قضية تحويل قبلة الصلاة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام بمكة، وما يتعلق بذلك من الحكم والدروس والعبر الجديرة بالتعرف عليها والاستفادة منها؛ لكونها قرآنًا من عند الله -تعالى- يُتلَى إلى قيام الساعة.
وقد كان هذا التحويل للقبلة بأمر من الله -تعالى- في منتصف شهر شعبان من السنة الثانية بعد الهجرة إلى المدينة.
قال ابن القيم في (زاد المعاد): "وكان في جعل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلها إلى الكعبة حِكَم عظيمة، ومحنة للمسلمين، والمشركين واليهود والمنافقين؛ فأما المسلمون: فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرة عليهم. وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا أنها الحق! وأما اليهود: فقالوا خالف قبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبيًّا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء. وأما المنافقون: فقالوا ما ندري محمدًا أين يتوجه! إن كانت الأولى حقًّا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل. وكثرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت كما قال الله -تعالى-: ( وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) (البقرة: 143) ، وكانت محنة من الله امتحن بها عباده ليرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه" (انظر: زاد المعاد) .
وقد تلا هذا التحويل للقبلة بشهرين تقريبا وقوع غزوة بدر الكبرى في 17 رمضان من نفس العام، والتي كانت إشارة إلى عهد جديد للمسلمين نهايته فتح مكة، وبالتالي انتزاع الكعبة قبلة المسلمين من يد أعدائهم وتخليصها منهم.
الآيات السابقة لآيات تحويل القبلة:
مما ينبغي الاعتناء به في فهم القرآن وتفسيره ربط الآيات القرآنية بعضها ببعض، بتأمل علاقة الآيات التي يتم دراستها بما قبلها من الآيات، وأيضًا بما بعدها من الآيات، وفي الإحاطة بذلك إدراك لكثير من المعاني والحكم والفوائد المتعلقة بتلك الآيات.
قال ابن القيم في (زاد المعاد): "ولما كان أمر القبلة وشأنها عظيمًا، وطَّأ -سبحانه- قبلها أمر النسخ وقدرته عليه، وأنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ثم عقَّب ذلك بالتوبيخ لمن تعنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم ينقد له. ثم ذكر بعده اختلاف اليهود والنصارى، وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء، وحذَّر عباده من موافقتهم واتباع أهوائهم. ثم ذكر كفرهم وشركهم وقولهم: إن له ولدًا -سبحانه و-تعالى- عما يقولون علوًّا كبيرًا-.
ثم أخبر أن له المشرق والمغرب، وأينما يولي عباده وجوههم فثم وجهه وهو الواسع العليم؛ فلعظمته وسعته وإحاطته، أينما يوجه العبد فثم وجه الله.
ثم أخبر أنه لا يسأل رسوله عن أصحاب الجحيم الذين لا يتابعونه ولا يصدقونه، ثم أعلمه أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأنه إن فعل -وقد أعاذه الله من ذلك-، فما له من الله من ولي ولا نصير. ثم ذكَّر أهل الكتاب بنعمته عليهم وخوفهم من بأسه يوم القيامة. ثم ذكر خليله باني بيته الحرام وأثنى عليه ومدحه، وأخبر أنه جعله إمامًا للناس يأتم به أهل الأرض. ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله له، وفي ضمن هذا أن باني البيت كما هو إمام للناس؛ فكذا البيت الذي بناه إمام لهم. ثم أخبر ألا يرغب عن ملة هذا الإمام إلا أسفه الناس. ثم أمر عباده أن يأتموا به ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى إبراهيم وإلى سائر النبيين. ثم رد على من قال: إن إبراهيم وأهل بيته كانوا هودًا أو نصارى. وجعل ذلك توطئة ومقدمة بين يدي تحويل القبلة. ومع هذا كله فكبر ذلك على الناس إلا مَن هدى الله منهم" (ينظر: المصدر السابق) .
تحويل القبلة:
قال -تعالى-: ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) (البقرة: 144) .
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أمر وهو في مكة باستقبال بيت المقدس، فكان يصلي بمكة بين الركنين يستقبل بيت المقدس ويجمع التوجه بين الكعبة وبيت المقدس. فلما هاجر إلى المدينة تعذر عليه الجمع بينهما، وأمره الله -تعالى- بالتوجه في الصلاة إلى بيت المقدس، واستمر على ذلك بضعة عشر شهرًا.
وكان -صلى الله عليه وسلم- يكثر التطلع إلى السماء أن يوجهه الله في الصلاة إلى الكعبة، التي هي قبلة إبراهيم -عليه السلام-، وكان يهود المدينة فرحين بأمر استقباله -صلى الله عليه وسلم- لبيت المقدس. ثم أنزل الله الآية: ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ). عن علي بن أبي طالب قال: شطره قبله؛ وهذا قول أبي العالية ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وغيرهم.
وعن ابن عباس: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله -تعالى-: ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ).
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه قبلته قبل البيت، يحب أن يحول نحو الكعبة فصرف إلى الكعبة. قال ابن كثير في تفسيره: "والمشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر".
- قوله -تعالى-: ( وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ): أمر -تعالى- باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا؛ فالبيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة أهل الأرض في مشارقها ومغاربها.
