حادثة تحويل القبلة في القرآن الكريم (2-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
روى البخاري بسنده عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: "صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل -تعالى-: ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) (البقرة:144) "؛ فجاء في الحديث ذكر قولين في المدة التي صلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بيت المقدس وهو في المدينة، وأنها ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، والجمع بين القولين بأن يكون من جزم بستة عشر شهرًا لفَّق من شهر قدوم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة -وهو شهر ربيع الأول- ومن شهر تحويل القبلة -وهو شهر شعبان- شهرًا، وألغى الأيام الزائدة عنه، ومن جزم بسبعة عشر شهرًا عَدَّ الشهرين -ربيع الأول وشعبان- معًا في المدة، ومَن شَكَّ تردد بين ذلك القولين. والله -تعالى- أعلم. (ينظر: فتح الباري لابن حجر) .
فوائد ودروس وعبر من آيات تحويل القبلة:
- عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن أول ما نسخ من القرآن هو القبلة، وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر إلى المدينة وكان بها يهود كثير، وقد أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت بذلك اليهود، واستمر النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب أن كعبة إبراهيم -عليه السلام- هي القبلة، فكان يصلي وينظر إلى السماء حتى أجابه الله لما يحبه.
- وفي تأخر إبلاغ أهل قباء بتحويل القبلة إلى صلاة الفجر في اليوم التالي فاستداروا إلى الكعبة وهم في صلاة الفجر، قال ابن كثير: "وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه لهم؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء. والله أعلم".
- وقد حاز المسلمون بذلك شرف التوجه إلى القبلتين: بيت المقدس والكعبة، وبهذا تميزوا بمخالفة مشركي مكة قبل الهجرة باستقبال بيت المقدس، ثم تميزوا بمخالفة اليهود وهم بالمدينة باستقبال الكعبة.
- استقبال الكعبة واتخاذها قبلة أمر له وزنه لكونها القبلة الأقدم، فهي قبلة إبراهيم -عليه السلام-، وهي مفخرة للعرب حيث ظلت مثابة للناس وأمنًا ومزارًا ومطافًا، وهذا أدعى لدخول العرب في الإسلام.
- تقرير أن العبرة في الإسلام تكون بجوهره ولبه، وهو ما يجب اعتناء المسلمون واهتمامهم به، فلا ينشغلوا عن جوهر الإسلام ولبه بقضايا فرعية أو بمسائل جزئية، فـ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَ?كِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَأَتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (البقرة: 177) . وكأن المعنى: أن مسألة تعيين الجهة في العبادة والتي شغلت المخالفين نقدًا وردًّا ليست كل ما يشتغل به من أمور الدين، بل هي شعبة واحدة من شعب الدين، وإنما البر هو الإيمان الكامل الجامع لكل خصال الخير من عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق؛ لذا فعلى أهل الإيمان الاشتغال بكل خصال الدين لتحقيق هذا الإيمان الصادق.
- حماية المجتمع المسلم من شبهات الأعداء وغزوهم الفكري قبل إثارة تلك الشبهات وبدء هذا الغزو الفكري، فحرف السين مع الفعل المضارع في كلمة (يقول) في قوله -تعالى-: ( سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ) (البقرة:142) ، حرف للاستقبال، يخبر به -سبحانه- عما سيثيره السفهاء، وخفاف العقول، مِن: تشويش وتشكيك، وإثارة للشبهات حول تحويل القبلة قبل أن يقع ذلك منهم، وذلك حماية للمسلمين من شرهم، ولقن المسلمين الجواب على تلك الشبهة، بأنه إذا قال السفهاء من الناس: ( مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ) يجيبوهم بأن: ( لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ) (البقرة:142) . وبذلك توأد الشبهة في مهدها إذا وقعت، وهكذا: الوقاية خير من العلاج، وهكذا يكون التحصين من المرض ومقاومته قبل انتشاره.
- تمحيص المؤمنين وتمرينهم على الطاعة والسماع لله -تعالى- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- فيما يبلِّغه عن ربه، وذلك جلي وواضح في قول الله -تعالى-: ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا ) (البقرة:143) يعني اتخاذ بيت المقدس قبلة أولى للمسلمين في الصلاة ثم التحول عنها إلى المسجد الحرام بعد ذلك ( إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) (البقرة:143) . فالاتجاه الأول في بادئ الأمر إلى بيت المقدس كان بأمر من الله -تعالى-، والاتجاه بعد ذلك إلى المسجد الحرام أيضًا بأمر من الله -تعالى-، والحكمة كما بينت الآية الكريمة ( لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) (البقرة:143) ، والانقلاب: الارتداد، والعقب: مؤخرة القدم، والمراد: بالانقلاب على العقب: الارتداد عن الإسلام، وهو ما وقع من البعض من ضعاف الإيمان. فتميز بذلك أهل الإيمان الصادق ممن يأتمرون بأوامره -صلى الله عليه وسلم- على كل حال كانت ممن لم يدخل الإيمان الصادق قلبه، فدخل الإسلام وهو على حرف فارتد عن الإسلام بأدنى شبهة.
