شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حادثة تحويل القبلة في القرآن الكريم (2-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

- وهذا الابتلاء هو صورة من صور التربية للصحابة -رضي الله عنهم- وغرس حب الاتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- في قلوبهم، فحين يأمرهم -صلى الله عليه وسلم- بأمر مهما كان يقولون سمعنا وأطعنا بلا تردد؛ فلا بد من تمحيص وامتحان للفئة المؤمنة من وقت لآخر. فهاهنا بعد الهجرة إلى المدينة بقليل كان تحويل القبلة امتحان، وقبلها كانت معجزة الإسراء والمعراج قبل الهجرة إلى المدينة بقليل امتحان، وهو الامتحان الذي قال فيه تبارك و-تعالى-: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) (الإسراء:60) ، ولله -تعالى- الحكمة البالغة في ذلك.

- قول الله -تعالى-: ( لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) (البقرة:143) لا ينافي علم الله -تعالى- الأزلي وأنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، وإنما المراد هنا ظهور هذا العلم المكنون في الواقع، حيث أن الحساب والجزاء والثواب والعقاب والمؤاخذة عليه، فالله -تعالى- يحاسب العباد على عملهم الذي يعملونه لا على علمه السابق بهم، فيجعل الله -تعالى- معلومه في الغيب مشاهدًا للعيان، والعمل الواقع للعيان هو الذي تقوم به الحجة، ويترتب عليه الثواب والعقاب؛ أي: إن الله سبحانه و-تعالى- يعلم من يتبع الرسول ممن لا يتبع قبل وقوع ذلك، وهذا العلم لا يوجب مجازاة في ثواب أو عقاب، ولكن المراد: ليعلم ذلك منهم شهادة، فيقع عليهم بذلك العلم أجر المطيعين وإثم العاصين، وتكون معلومة في حال وقوع الفعل منهم شهادة، كقوله -تعالى-: ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (التغابن: 18) .

فعلمه قبل وقوعه غيب، وعلمه حال وقوعه شهادة، وهذا يبين كل ما في القرآن مما هو مثله، أو يكون المراد بالعلم: ( إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) (البقرة:143) ، تمييز مَن يتبع الرسول ممَّن يرتد؛ فوضع العلم موضع التمييز؛ لأن العلم يقع به التمييز، فيكون من باب إطلاق السبب على المسبب.

- التنويه بمنزلة ومكانة عبادة الصلاة في الإسلام حيث أطلقت الآية على الصلاة اسم الإيمان، وأشارت الآية إلى عدم ضياع ثواب المؤمنين الذين ماتوا قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، فروى البخاري بسنده عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-: "أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندرِ ما نقول فيهم، فنزل قول الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم ) (البقرة:143) ".

وروى أيضًا الترمذي بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لما وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم ) (البقرة:143) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح".

وقد فسَّر البخاري الإيمان في الآية بالصلاة، فقال: ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) (البقرة:143) يعني: صلاتكم؛ أي: صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس.

فالمراد بالإيمان في الآية الصلاة. وإطلاق اسم الإيمان على الصلاة هنا من باب المجاز، من إطلاق اللازم على الملزوم، فالإيمان لازم للصلاة؛ إذ لا صلاة بحقٍّ إلا مع الإيمان. وقيل: كنى بالإيمان عن الصلاة لأن الصلاة صادرة عنه، وذلك من باب ذكر السبب وإرادة المسبب؛ ولأن الصلاة أفضل شعب الإيمان، فهو من باب ذكر الكل وإرادة أشرف أجزائه.

وأيضًا ذكر الإيمان أولى من ذكر الصلاة؛ لئلا يتوهم اندراج صلاة المنافقين إلى بيت المقدس في الثواب، وأتي بلفظ: ( إِيمَانَكُمْ ) دون (إيمان بعضكم) وإن كان السؤال جاء على سبيل التغليب؛ لأن المصلين إلى بيت المقدس لم يكونوا كلهم ماتوا. والمراد من عدم إضاعة الصلاة في الآية: أن الله -تعالى- يجازيهم عليها بالجزاء الأوفى.

- بيان ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من الحرص في دينهم، ومن الشفقة على مصير إخوانهم الذين ماتوا. وقد وقع مثل ذلك أيضًا بعد ذلك لما نزل تحريم الخمر، فتساءلوا عن مصير إخوانهم الذين تناولوها قبل التحريم، كما صح من حديث البراء بن عازب أيضًا، فنزل قول الله -تعالى-: ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين ) (المائدة:93) .

فلما كان أمر القبلة خطيرًا، ومَعْلَمًا من معالم الدين؛ تخيل قوم نقص مَن فاته، وكذلك لما حصلت الخمر في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمة، فأعلم الله -تعالى- عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد، بل كانت تلك الأشياء مكروهة لم ينص عليها تحريم بعد، والشرع هو الذي قبَّحها وحرَّمها وأمر باجتنابها.

- بيان كرامة النبي -صلى الله عليه وسلم- على ربه -عز وجل-، ويدل عليه: قوله -تعالى-: ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) (البقرة:144) ، وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقلب بعد الصلوات بوجهه إلى السماء التي هي مصدر الوحي منتظرًا نزول الوحي بالتوجه إلى الكعبة، التي هي قبلة أبيه إبراهيم -عليه السلام-، وهي أدعى للعرب أن يؤمنوا، ولما فيه من مخالفة اليهود، فحقق الله -تعالى- له أمنيته وأعطاه ما أحب.

- كانت رحلة الإسراء إلى المسجد الأقصى وإمامة النبي -صلى الله عليه وسلم- خلالها بالأنبياء فيه، ثم تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام فيها إشعار بانتقال إمامة الإنسانية للأمة المحمدية، وأنها الأمة الأهل لذلك، وزوال ما كان عليه اليهود من منزلة لما اقترفوه من جرائم ومخالفات في حق دينهم ورسلهم وأنبيائهم.

فـلله الحمد والمِنَّة على هذه الأمة.

الصفحة السابقة