شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حادثة تحويل القبلة في القرآن الكريم (2-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد وردت في سورة البقرة -في موضع آخر غير موضع الآيات التي تناولناها من قبل حول واقعة تحويل القبلة- آية فيها تعقيب على تلك الواقعة، يقول فيها الله -تعالى-: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (البقرة: 177) .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "فإن الله -تعالى- لما أمر المؤمنين بالتوجه إلى بيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة، شقَّ ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله -تعالى- بيان حكمته في ذلك، وهو: أن المراد إنما هو طاعة الله -عز وجل-، وامتثال أوامره والتوجه حيثما وجه واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة ما لم يكن عن أمر الله وشرعه؛ ولهذا قال: ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) (البقرة:177) الآية. كما قال في الأضاحي والهدايا -جمع هدي-: ( لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ) (الحج:37) .

قال ابن عباس: ليس البر أن تُصَلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة ونزلت الفرائض والحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها، وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك.

وقال أبو العالية: كانت اليهود تقبل قبل المغرب وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال الله -تعالى-: ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) (البقرة:177) . يقول هذا كلام الإيمان وحقيقة العمل. وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله.

وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله -عز وجل.-

وقال الضحاك: ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها.

وقال الثوري: ( وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ ) (البقرة:177) الآية. قال: هذه أنواع البر كلها.

قال ابن كثير: وصدق رحمه الله، فإن مَن اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله.

فالبر: هو الإيمان بالله، وأنه لا إله إلا هو، وهو التصديق (بوجود الملائكة) الذين هم سفرة بين الله ورسوله، والكتاب هو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن، المهيمن على ما قبله من الكتب، والإيمان بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين-.

( وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ) أي: أخرجه وهو محب له، راغب فيه؛ نص على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما قال -تعالى-: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا ) (الإنسان:8، 9) ، وقال -تعالى-: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (الحشر:9) .

و( ذَوِي الْقُرْبَى ): هم قرابات الرجل، والصدقة على أولي القربى هي صدقة، وهي أيضًا صلة، ( وَالْيَتَامَى ): وهم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب.

( وَالْمَسَاكِينَ ): وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجاتهم. ( وَابْنَ السَّبِيلِ ): وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى بلده. ( وَالسَّائِلِينَ ): وهم الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات والصدقات. ( وَفِي الرِّقَابِ ): وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم. ( وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ) أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها على الوجه الشرعي المرضي. ( وَآتَى الزَّكَاةَ ) أي: زكاة المال؛ قاله سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان، أو أن يكون المراد بذلك: زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة؛ كما قال -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) (الشمس:9، 10) .

( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا )، كما قال -تعالى-: ( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاق ) (الرعد:20) ، بخلاف أهل النفاق؛ فآية المنافق كما جاء في الحديث المتفق عليه ثلاث: ( ‌إِذَا ‌حَدَّثَ ‌كَذَبَ، ‌وَإِذَا ‌وَعَدَ ‌أَخْلَفَ، ‌وَإِذَا ‌ائْتُمِنَ ‌خَانَ ).

( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ) أي: في حال الفقر؛ وهو: البأساء، وفي حال المرض والأسقام؛ وهو: الضراء، وفي حال القتال والتقاء الأعداء؛ وهو: حين البأس. وجاء نصب ( وَالصَّابِرِينَ ) هنا على المدح والحث على الصبر في هذه المواضع لشدتها ولصعوبة الصبر فيها. والله -تعالى- أعلم.

- وقوله -تعالى-: ( أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) (البقرة:177) ؛ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا وأولئك هم المتقون، لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات" (باختصارٍ من تفسير ابن كثير) .

فائدة:

الصفحة التالية