شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

معارك حاسمة في رمضان (2)

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

معركة شَذُونَة: (رمضان 92هـ):

وتعرف كذلك بمعركة: "وادي لكة"، وبمعركة: "وادي بَرْبَاط".

ذكرنا فيما سبق: أن طارق بن زياد سيطر على الجبل بعد نجاح العبور ومعه سبعة آلاف من الجنود، ثم دخل المسلمون عدة معارك مع القوط قبل معركة شذونة، والتي تُعد المعركة الفاصلة، واستطاع المسلمون أن ينتصروا في كل المعارك التي خاضوها، لاسيما بعد البشرى التي أخبرهم بها طارق.

قال ابن الأثير -رحمه الله-: "لما ركب طارق البحر غلبته عينه، فرأى النبي ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القِسِيَّ (جمع قوس) ، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا طارق تقدم لشأنك، وأمره بالرفق بالمسلمين، والوفاء بالعهد، فنظر طارق فرأى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه، فاستيقظ من نومه مستبشرًا، وبشَّر أصحابه، وقويت نفسه، ولم يشك في الظَّفَرِ" (الكامل في التاريخ، 4/562) .

وسار طارق بالجيش نحو الجزيرة الخضراء ففتحها، وكان لذريق كلما أرسل جيشًا غلبه المسلمون، وقد كان لذريق في هذا التوقيت في شمال الأندلس مشغولًا بقمع بعض الثورات الداخلية، وقد أرسل إليه نائبه (تدمير) الذي كان لذريق قد استخلفه مكانه، ووصف له الحال وما جرى من جيش المسلمين، حتى إنه قال له: إنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري: أمن السماء نزلوا أم من الأرض نبعوا؟ (ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ص60) .

وهنا عاد لذريق مسرعًا، وقد جمع جيشًا قوامه مائة ألف مقاتل، ولما علم بذلك طارق أرسل إلى موسى يطلب منه مددًا، فأرسل له موسى خمسة آلاف جندي، وقد كان يوليان مع المسلمين يدلهم على أسرار الطرق، ويتحسس لهم الأخبار، والتقى الجيشان: جيش التوحيد يقوده القائد طارق بن زياد، الذي يجمع بين التقوى والرحمة والقوة والعزة والتواضع، وجيش آخر يقوده كافر متسلط، مغرور غشوم.

وفي شهر رمضان من عام (92هـ / 711م)، بدأت معركة وادي بَرْبَاط، أو وادي لكة، وجيش المسلمين لا يتعدى عددهم اثني عشر ألفًا، وهم يواجهون مائة ألف كاملة، واستمرت الحرب بين الجانبين ثمانية أيام، استشهد فيها ثلاثة آلاف من المسلمين، ولكن الهزيمة دارت على لذريق (تُكتب لذريق، وروذريق) وجيشه، فانتصر المسلمون وهُزم لذريق هزيمة منكرة. وقيل: إن لذريق غرق ومات. وقيل: بل هرب وفرَّ.

لقد سطَّر المسلمون بقيادة طارق بن زياد ملحمة من ملاحم الجهاد التي لم تشهدها بلاد المغرب والأندلس من قبلُ؛ ثمانية أيام كاملة، ارتفعت فيها صيحات التكبير، وتقاذفت وتلاطمت فيها السيوف، وتساقطت فيها أشلاء القتلى والشهداء، لقد قاتل الجيش القوطي قتالًا شديدًا يدل على شدة بأسه وقوته، ولكن هيهات أن تصمد تلك القوة أمام صلابة الإيمان وقوة العقيدة التي يتحلى بها الجيش المسلم واثقًا بربه، متيقنًا النصر.

وقد وصف ابن عذاري جيش المسلمين وهم في هذا الجو المتلاطم في المعركة فقال: "فخرج إليهم طارق بجميع أصحابه رجالة، ليس فيهم راكب إلا القليل؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى ظنوا أنه الفناء" (البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، 2/7) .

إن هذه المعركة حسمت الصراع بين المسلمين والنصارى في بلاد الأندلس، وقررت أن الكلمة العليا أصبحت للموحدين المسلمين؛ فهذه المعركة كمعركة اليرموك التي قررت مصير الشام، وكالقادسية التي قررت مصير العراق، وكنهاند التي قررت مصير الإمبراطورية الفارسية، وغيرها من المعارك والملاحم الفاصلة في تاريخ المسلمين.

فتح عمورية: (رمضان 323هـ):

سيبقى فتح عمورية غُرَّة في جبين الدهر، لقد كانت العلاقة بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية يشوبها الهدوء خلال السنوات الأولى من خلافة المعتصم، وبعد مرور أربع سنوات من خلافة المعتصم، كما يذكر ابن كثير: "قام تَوْفِيلُ بن مِيخَائِيلَ ملك الروم إلى بلاد الإسلام، وخرج في أكثر من مائة ألف، وتوغل في مدينة زِبَطْرَةَ، فقتل من بها من الرجال، وسبى الذرية والنساء، وأغار على أهل مَلَطْيَةَ وغيرها من حصون المسلمين، وسبى المسلمات، ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمَّل أعينهم، وقطع أنوفهم وآذانهم، بلغ الخبر إلى المعتصم، فلما بلغه ذلك استَعْظَمَهُ، وكَبُرَ لديه، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت، وهي أسيرة في أيدي الروم: وامعتصماه! فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك! ونهض من ساعته، وصاح في قصره: النفير النفير، ونهض من فوره، فأمر بتعبئة الجيوش، واستدعى بالقاضي، والعدول، فأشهدهم أن ما يملكه من الضياع ثلثه صدقة، وثلثه لولده، وثلثه لمواليه" (ابن كثير: البداية والنهاية (10/311) .

ولقد سأل المعتصم الأمراء: أي بلاد الروم أمنع؟ قالوا: عمورية؛ لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية، وهنا استدعى الجيوش بين يديه، وتُجَهَّزَ جهازًا لم يتجهزْهُ أحد كان قبله من الخلفاء، وأخذ معه من آلات الحرب والأحمال والجمال والقرب والدواب والنفط والخيل والبغال شيئًا لم يُسمع بمثله، وسار إليها، في جحافل كالجبال (المصدر السابق، 10/313) .

لقد أراد المعتصم أن يشعر الروم بأن قيامتهم قد قامت بسبب ما فعلوه، واعتبر هذه الغارة على بلاد المسلمين، تحديًا للدولة العباسية، ولذا خرج هو بنفسه على رأس الجيش، واتجه صوب عمورية مسقط رأس توفيل، وهو يعزم على تدميرها.

وبالفعل غادر الخليفة المعتصم سامراء، وجعل مدينة أنقرة هي الهدف الأول للحملة، وبالفعل اجتمعت الجيوش الإسلامية في سهل أنقرة، وانتصروا على من بها من البيزنطيين، وأوقعوا بها الدمار والخراب، وكان ذلك في شهر شعبان، عام (223هـ / 838م)، وهنا أرسل تَوْفِيلُ رسالة إلى المعتصم يطلب فيها الصلح، واعتذر عما بدر منه في مدينة زبطرة، وتعهد بإعادة بناء المدينة مرة أخرى، وإطلاق سراح جميع أسرى المسلمين، إلا أن المعتصم رفض هذا العرض واستمر في زحفه نحو عمورية (المصدر نفسه، 10/313) .

الصفحة التالية