غزوة بدر الكبرى في القرآن الكريم (1-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
- سرية نَخْلَة: وكانت في رجب من السنة الثانية، حيث بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن جحش الأسدي -رضي الله عنه- إلى (نخلة) في اثني عشر رجلًا من المهاجرين، وهي السرية التي نزل فيها قوله -تعالى-: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) (البقرة: 217) . (راجع في ذلك: الرحيق المختوم، لصفي الدين المباركفوري) .
الخروج لغزوة بدر الكبرى:
خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا من المهاجرين والأنصار لاعتراض عير قريش العائدة من الشام إلى مكة. وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل الغزوة أصحابه أن الله -تعالى- وعده في هذه الغزوة إما العير وإما قتال المشركين، ولم يُكرِه أحدًا على الخروج معه، فخرج معه في هذه الغزوة من خرج وتخلف عنها من تخلف بلا حرج، وكان من خرج يأمل في التعرض لقافلة قريش دون قتال، ولكن القافلة نجت، وخرجت قريش بكبار رجالها لقتال المسلمين فشق الأمر على بعض المسلمين؛ قال -تعالى- في بيان ذلك: ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ . يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) (الأنفال: 5-8) .
قال السعدي: "قدَّم -تعالى- أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة، الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها -يعني بذلك قول الله في الآيات السابقة لتلك الآية: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) (الأنفال: 2-4) -؛ لأن من قام بها استقامت أحواله وصلحت أعماله، التي أكبرها الجهاد في سبيله؛ فكما أن إيمانهم هو الإيمان الحقيقي وجزاؤهم هو الحق الذي وعدهم الله به، كذلك أخرج الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- من بيته إلى لقاء المشركين في بدر بالحق الذي يبيّنه الله، وقد قدره وقضاه. وإن كان المؤمنون لم يخطر على بالهم في ذلك الخروج أن يكون بينهم وبين عدوهم قتل. فحين تبيَّن لهم أن ذلك واقع جعل فريق من المؤمنين يجادلون النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، ويكرهون لقاء عدوهم، كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون. والحال: أن هذا لا ينبغي منهم خصوصًا بعد ما تبيَّن لهم أن خروجهم بالحق، ومما أمر الله به ورضيه، فبهذه الحال ليس للجدال مكان؛ لأن الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر، فأما إذ وضح وبان فليس إلا الانقياد والإذعان.
هذا وكثير من المؤمنين لم يجرِ منهم من هذه المجادلة شيء، ولا كرهوا لقاء عدوهم، وكذلك الذين عاتبهم الله انقادوا للجهاد أشد الانقياد، وثبتهم الله وقيَّض لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم كما سيأتي ذكر بعضها. وكان أصل خروجهم ليتعرَّضوا لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام، قافلة كبيرة، سمعوا برجوعها من الشام، ندب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس، فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، معهم سبعون بعيرًا، يتعاقبون عليها ويحملون عليها متاعهم، فسمعت بخبرهم قريش، فخرجوا لمنع عيرهم، في عدد كثير وعدة وافرة من السلاح والخيل والرجال، يبلغ عددهم قريبًا من الألف. فوعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين إما أن يظفروا بالعير أو بالنفير، فأحبوا العير، لقلة ذات يد المسلمين، ولأنها غير ذات شوكة، ولكن الله -تعالى- أحب لهم وأراد أعلى مما أحبوا، أراد أن يظفروا بالنفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدهم، ( وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) فينصر أهله ( وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ) أي: يستأصل أهل الباطل، ويري عباده من نصره للحق أمرًا لم يكن يخطر ببالهم ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ ) بما يظهر من الشواهد والبراهين على صحته ( وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ) بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه ( وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) فلا يبالي الله بهم".
- ولإنقاذ قافلة قريش العائدة من الشام قبل وقوعها في قبضة المسلمين توجه قائدها أبو سفيان بها غربًا نحو ساحل البحر فنجت القافلة، بينما هبت قريش بجيشها بسرعة متجهة نحو الشمال لملاقاة المسلمين، ورغم نجاة القافلة قبل أن يدركها المسلمون فقد أصرت قريش على منازلة المسلمين هذه المرة لكسر شوكتهم، فكان التقاء الفريقين المقدّر على غير سابق ميعاد عند بئر بدر، وفي هذا قال -تعالى-: ( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (الأنفال: 42) .
