شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزوة بدر الكبرى في القرآن الكريم (1-2)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

قال السعدي -رحمه الله-: "( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ) أي: بعدوة الوادي القريبة من المدينة ( وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى ) أي: جانبه البعيدة من المدينة، فقد جمعكم وادٍ واحد، ( وَالرَّكْبُ ) الذي خرجتم لطلبِه، وأراد الله غيره. ( أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) مما يلي ساحل البحر. ( وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ ) أنتم وإياهم على هذا الوصف وبهذه الحال، ( لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ) أي: لا بد من تقدُّم أو تأخر، أو اختيار منزل، أو غير ذلك مما يعرض لكم أو لهم، يصدّفكم عن ميعادهم ( وَلَكِنْ ) الله جمعكم على هذه الحال ( لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ) أي: مقدّرًا في الأزل، لا بد من وقوعه ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ) أي: ليكون حجة وبينة للمعاند، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه، فلا يبقى له عذر عند الله ( وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) أي: يزداد المؤمن بصيرة ويقينًا، بما أرى الله الطائفتين من أدلة الحق وبراهينه، ما هو تذكرة لأولي الألباب ( وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) سميع لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنّن الحاجات، عليم بالظواهر والضمائر والسرائر، والغيب والشهادة".

وقد سبق اشتباك واقتتال الفريقين أحداث سجَّلها القرآن الكريم؛ منها ما جاء في أحوال المشركين ومنها ما جاء في أحوال المسلمين.

فمما كان من أحوال جيش المشركين:

قال -تعالى-: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الأنفال: 47-48) .

قال السعدي: "( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارهم، لقصد الأشر والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه ( وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ )؛ فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذّركم أن تشبهوا بهم، فإنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. فليكن قصدكم في خروجكم وجه الله -تعالى- وإعلاء دين الله، والصد عن الطرق الموصلة إلى سخط الله وعقابه، وجذب الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) حسنها في قلوبهم وخدعهم، ( وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ ) فإنكم في عدد وعدّة وهيئة لا يقاومكم فيها محمد -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، ( وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ) من أن يأتيكم أحد ممن تخشون غائلته؛ لأن إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوة كانت بينهم، فقال الشيطان: أنا جار لكم، فاطمأنت نفوسهم وأتوا على حرد قادرين. ( فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ ) المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريل -عليه السلام- يزع الملائكة خاف خوفًا شديدًا و( نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ) أي: ولّى مدبرًا ( وَقَالَ ) لمن خدعهم وغرّهم ( إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ ) أي: الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم، ( إِنِّي أَخَافُ اللهَ ) أي: أخاف أن يعاجلني بالعقوبة في الدنيا ( وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).

ومن المحتمل أن يكون الشيطان قد سول لهم ووسوس في صدورهم أنه لا غالب اليوم من الناس، وأنه جار لهم، فلما أوردهم مواردهم نكص عنهم وتبرأ منهم، كما قال -تعالى-: ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ . فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ) (الحشر: 16-17) . ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) أي: شك وشبهة، من ضعفاء الإيمان، للمؤمنين حين أقدموا -مع قلتهم- على قتال المشركين أي: مع كثرتهم ( غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ ) أي: أوردهم الدين الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها، ولا استطاعة لهم بها، يقولونه احتقارًا لهم واستخفافًا لعقولهم، وهم -والله- الأخفاء عقولًا، الضعفاء أحلامًا، فإن الإيمان يوجب لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلة التي لا يقدم عليها الجيوش العظام، فإن المؤمن المتوكل على الله، الذي يعلم أنه ما من حول ولا قوة ولا استطاعة لأحد إلا بالله -تعالى-، وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على نفع شخص بمثقال ذرة لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرّوه لم يضرّوه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وعلم أنه على الحق، وأن الله -تعالى- حكيم رحيم في كل ما قدره وقضاه، فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من قوة وكثرة، وكان واثقًا بربه، مطمئن القلب لا فزعًا ولا جبانًا؛ ولهذا قال: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) لا يغالب قوته قوة ( حَكِيمٌ ) فيما قضاه وأجراه).

ومما جاء فيما يتعلق بأحوال جيش المسلمين:

قال -تعالى-: ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ) (الأنفال: 11) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية