شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزوة بدر الكبرى في القرآن الكريم (1-2)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

قال السعدي -رحمه الله-: "أي: اذكروا نعمة الله عليكم لما قارب التقاؤكم بعدوكم استغثتم بربكم وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم ( فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) وأغاثكم بعدة أمور؛ منها: أن الله أمدكم ( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) أي: يردف بعضهم بعضًا ( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ ) أي: إنزال الملائكة ( إِلَّا بُشْرَى ) أي: لتستبشروا بذلك نفوسكم ( وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) وإلا فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عدد ولا عدَّة ( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) لا يغالبه مغالب، بل هو القهار، الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا ( حَكِيمٌ ) حيث قدر الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها. ومن نصره واستجابته لدعائكم أن نزل عليكم نعاسًا ( يُغَشِّيكُمْ ) أي: يذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل). وعند أحمد بسنده: لما كان يوم بدر نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف ونظر إلى المشركين وهم ألف وزيادة، استقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- القبلة ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أين ما وعدتني؟ أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تُعبد في الأرض أبدًا، فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز ما وعدك، فأنزل الله -عز وجل-: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ).

وقال -تعالى-: ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ) (الأنفال: 12-14) .

قال ابن كثير: "وهذه نعمة خفية أظهرها الله -تعالى- لهم ليشكروه عليها؛ وهو: أنه -تعالى- وتقدّس وتبارك وتمجَّد، أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم نصرًا لنبيه ودينه وحزبه المؤمنين يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبّتوا الذين آمنوا. قال ابن إسحاق: وآزروهم، وقال غيره: قاتلوا معهم، وقيل: كثّروا سوادهم".

وقال أيضًا: "وقوله: ( سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ) أي: ثبّتوا أنتم المؤمنين وقوّوا أنفسهم على أعدائهم عن أمري لكم بذلك، سألقي الرعب والمذلة والصغار على من خالف أمري وكذّب رسولي. ( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) أي: اضربوا الهام فافلقوها، واحتزوا الرقاب فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم".

وعن ابن عباس: "( وَاضْرِبُوا كُلَّ بَنَانٍ ) يعني بالبنان الأطراف، وكذا قال الضحاك وابن جريج والسدي. ويقال: كل مفصل ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) أي: خالفوهما فساروا في شق وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق. مأخوذ من شق العصا، وهو جعلها فرقتين ( وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء، تبارك و-تعالى- لا إله غيره، ولا رب سواه ( ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ) هذا خطاب للكفار، أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضًا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة".

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة