شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزوة بدر الكبرى في القرآن الكريم (1-2)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

قال السعدي -رحمه الله-: "ومن نصره واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاسًا ( يُغَشِّيكُمْ ) أي: فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون ( أَمَنَةً ) لكم وعلامة على النصر والطمأنينة. ومن ذلك: أنه أنزل عليكم من السماء مطرًا ليطهركم به من الحدث والخبث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه ( وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ) أي: يثبّتها، فإن ثبات القلوب أصل ثبات البدن، ( وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ): فإن الأرض كانت سهلة دهسة، فلما تزل عليه تلبّدت وثبّتت به الأقدام. ومن ذلك أن الله أوحى إلى الملائكة ( أَنِّي مَعَكُمْ ) بالعون والنصر والتأييد، ( فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي: ألقوا في قلوبهم وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغّبوهم في الجهاد وفضله".

وقال -تعالى-: ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذَا الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) (الأنفال: 43-44) .

قال السعدي: "وكان الله قد أرى رسوله المشركين في الرؤيا عددًا قليلاً، فبشّر بذلك أصحابه فاطمأنت قلوبهم وتثبّتت أفئدتهم ( وَلَوْ أَرَاكَهُمْ ) الله إياهم ( كَثِيرًا ) فأخبرت بذلك أصحابك ( لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ) فمنكم من يرى الإقدام على قتالهم ومنكم من لا يرى ذلك، فوقع من الاختلاف والتنازع مما يوجب الفشل ( وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ ) فلطف بكم ( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) أي: بما فيها من ثبات وجزع وصدق وكذب، فعلم الله من قلوبكم ما صار سببًا للطفه وإحسانه بكم)، ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذَا الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ) فأرى الله المؤمنين عدوهم قليلًا في أعينهم، ويقللكم -يا معشر المؤمنين- في أعينهم، فكل الطائفتين يرى الأخرى قليلًا لتقدم كل منهما على الأخرى ( لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ) من نصر المؤمنين وخذلان الكافرين وقتل قادتهم ورؤساء الضلال منهم، ولم يبقَ منهم أحد له اسم يذكر، فيتيسر بعد ذلك انقيادهم إذا دُعوا إلى الإسلام، فصار أيضًا لطفًا بالباقين الذين منّ الله عليهم بالإسلام، ( وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) أي: جميع أمور الخلائق ترجع إلى الله، فيميز الخبيث من الطيب، ويحكم في الخلائق بحكمه العادل الذي لا جور فيه ولا ظلم".

عن توجه الفريقين وقد أزف القتال:

قال -تعالى-: ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنفال: 19) .

قال ابن كثير في تفسيره: "يقول -تعالى- للكافرين: ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ) أي: تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم). وعند أحمد والنسائي والحاكم في مستدركه أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أقطع للرحم، وآتانا بما لا نعرف؛ فأحنه الغداة! فكان استفتاحًا منه، فنزلت: ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ) الآية. وروي نحو ذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة، وغير واحد.

وقال -تعالى- في شأن المبارزة التي سبقت التحام الجيشين: ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) (الحج: 19) . وذلك أنه عندما تواجه الجيشان خرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش، وهم: عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة طالبين المبارزة؛ فبرز عبيدة بن الحارث لعتبة بن ربيعة وبرز حمزة بن عبد المطلب لشيبة، وبرز علي بن أبي طالب للوليد، فسرعان ما قتل حمزة وعلي خصميهما، بينما أثخن عبيدة وعتبة كل واحد منهما الآخر، فكرَّ علي وحمزة على عتبة فقتلاه، واحتملا عبيدة إلى جيش المسلمين وقد قطعت رجله، فكان علي -وحديثه في صحيح البخاري- يقسم بالله أن هذه الآية نزلت فيهم؛ يريد قوله -تعالى-: ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) (الحج: 19) . (راجع: الرحيق المختوم للمباركفوري) .

عن إمداد الله -تعالى- للمسلمين بالملائكة يقاتلون معهم في تلك الغزوة:

قال -تعالى-: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (الأنفال: 9، 10) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية