غزوة بدر الكبرى في القرآن الكريم (1-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وقعت غزوة بدر الكبرى في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة. وسميت بغزوة بدر الكبرى تمييزًا لها عن غزوة بدر الأولى أو الصغرى. وقد اصطلح علماء السيرة النبوية على تسمية المعركة (أو الواقعة العسكرية) التي قاد فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه جيش المسلمين (أو القوة العسكرية المسلمة) باسم: الغزوة؛ تمييزًا لهذه المعارك والوقائع عن المعارك والوقائع العسكرية التي قاد فيها غير النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين.
ولا مانع شرعًا من تسمية معارك وحروب المسلمين بالغزوات، كما قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (آل عمران: 156) . ومعنى: ( ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ) أي: سافروا في الأرض للتجارة، ومعنى: ( كَانُوا غُزًّى ) أي: خرجوا للجهاد والغزو في سبيل الله -تعالى-.
وقد سجَّل القرآن الكريم أحداث غزوة بدر الكبرى وما يتعلق بها، قبل وأثناء وبعد الغزوة، في آيات عديدة بيَّنت ما كان فيها من نِعَم الله -تعالى- على عباده في هذه الغزوة، والدروس والعبر والفوائد العظيمة المستفادة من ذلك؛ لكونها حقًّا من أهم وأكبر الغزوات والمعارك في تاريخ الإسلام، مما يجعلها بحق جديرة بالتناول والدراسة والاستفادة منها. وسنحاول هنا إلقاء بعض الأضواء على ذلك إن شاء الله -تعالى-، وبالله التوفيق.
الإذن للمسلمين بالقتال:
كان المسلمون قد مُنعوا في مكة من قتال المشركين؛ خاصة مع ما كانوا فيه من الضعف الشديد وقلة العدد، فطلب منهم كف أيديهم عن المشركين. وبعد الهجرة وإقامة الدولة الإسلامية في المدينة تغيرت الأوضاع، فأُذن لهم -وقد ظُلموا وأُخرجوا من وطنهم- أن يقاتلوا، فسبق غزوة بدر الإذن للمسلمين بقتال المشركين؛ قال -تعالى-: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ ) (الحج: 39، 40) .
قال الشيخ ناصر السعدي في تفسيره: "كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار ومأمورين بالصبر عليهم لحكمة إلهية، فلما هاجروا إلى المدينة، وحصل لهم منعة وقوة؛ أُذِن لهم بالقتال).
وقال: ( وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ): "فليستنصروه وليستعينوا به. ثم ذكر صفة ظلمهم ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ) أي: أُلجئوا إلى الخروج بالأذية والفتنة، ( بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا ) أي: ذنبهم الذي نقم منهم أعداؤهم ( أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ ) أي: إلا أنهم وحَّدوا الله وعبدوه مخلصين له الدين" (ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) .
- وقد بيَّن الله -تعالى- الغاية من هذا القتال والجهاد في سبيل الله -تعالى-، وهو إزاحة الباطل وإقامة شرع الله -تعالى-؛ فقال: ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) (الحج: 41) ؛ لذا فالجهاد في الإسلام ليس صورة من صور الاستعمار أو الاحتلال، بل هو فتح يقضي على سيطرة الشرك ونفوذه ويقيم التوحيد والعدل، ويعبِّد الناس الله -تعالى-، مع منح غير المسلمين حرية الاعتقاد فلا يُكرهوا على الإسلام؛ ولهذا رحبت الشعوب التي فتحها المسلمون بلادهم بالمسلمين وتقبلوهم، وارتضوا جميعهم -وبلا إكراه- الإسلام لهم دينًا، واللغة العربية لهم لغة، بعد أن أزاح المسلمون عنهم أنظمة الباطل وأعطوهم حرية اختيار العقيدة.
- وقد شهدت الفترة قبل غزوة بدر الكبرى العديد من السرايا والغزوات التي تمثل مناوشات بين المسلمين والمشركين سبقت القتال الدامي الذي وقع يوم بدر، ومنها:
- سرية سِيْف البحر: وكانت في رمضان من السَّنة الأولى من الهجرة، حيث بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين رجلًا من المهاجرين لاعتراض عير لقريش قادمة من الشام، لكن الأمر لم يشهد قتالًا بين الفريقين.
- سرية رَابِغ: وكانت في شوال من السنة الأولى، حيث بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- عبيدة بن الحارث في ستين راكبًا من المهاجرين، فتراموا مع المشركين بالنبال، ولم يقع بينهما قتال.
- سرية الخَرَّار: وكانت في ذي القعدة من السنة الأولى، حيث بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- سعد بن أبي وقاص في عشرين راكبًا لاعتراض عير لقريش، لكنهم لم يدركوا العير.
- غزوة الأَبْوَاء (أو غزوة وَدَّان): وكانت في صفر من السنة الثانية من الهجرة، حيث خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه في سبعين رجلاً من المهاجرين لاعتراض عير لقريش، فسار حتى بلغ ودان، لكنه لم يلقَ كيدًا.
- غزوة بُوَاطَ: وكانت في ربيع الأول من السنة الثانية، حيث خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في مائتين من أصحابه لاعتراض عير لقريش، فسار حتى بلغ بواط، لكنه لم يلقَ كيدًا.
- غزوة سَفْوان (أو غزوة بدر الأولى): وكانت في ربيع الأول من السنة الثانية، حيث طارد فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- في سبعين رجلًا من أصحابه قوة خفيفة للمشركين أغارت على مراعٍ ونهبت بعض المواشي، حتى بلغ وادي سفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك المشركين.
- غزوة ذي العَشِيرة: وكان الخروج لها في أواخر جمادى الأولى والعودة منها في أوائل جمادى الآخرة من السنة الثانية، حيث خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في خمسين ومائة (أو مائتين) من المهاجرين لاعتراض عير لقريش ذاهبة إلى الشام، حتى بلغ ذا العشيرة، ولكنه لم يجد العير. وهذه العير هي التي خرج في طلبها النبي -صلى الله عليه وسلم- حين رجعت من الشام فكانت سببًا بعد ذلك لغزوة بدر الكبرى.
